توقيت القاهرة المحلي 12:33:14 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سقوط الفاشر... هل يُكرر السيناريو الليبي؟

  مصر اليوم -

سقوط الفاشر هل يُكرر السيناريو الليبي

بقلم: عثمان ميرغني

توالت الإدانات من كل حدب وصوب خلال اليومين الماضيين لـ«قوات الدعم السريع» نتيجة الانتهاكات الواسعة والمذابح التي ارتكبتها في مدينة الفاشر بعد اقتحامها وانسحاب الجيش السوداني والقوات المشتركة منها. فالتقارير الواردة من المدينة، ومقاطع الفيديو التي وثق بها مسلحو «الدعم السريع» جرائمهم، كشفت عن حجم الانتهاكات ضد المدنيين وعمليات القتل على أسس عرقية وعنصرية، التي لم يسلم منها الشيوخ والنساء والأطفال، والأطباء والممرضات والمرضى والجرحى في المستشفيات.

لم تكن هذه الممارسات جديدة على «الدعم السريع»، فقد ارتكبت مثلها في كل المناطق التي دخلتها سابقاً قبل أن تُطرد منها، من الجزيرة إلى سنار، ومن أم درمان إلى كردفان. كما أن تربصها بالفاشر وسكانها، وتخطيطها للإبادة الجماعية بحقهم، لم يأتِيا مصادفة، بل كانا مرسومين وممنهجين عبر حصار المدينة لنحو 500 يوم، وتجويع أهلها، واستهدافهم بالقصف وبالمسيّرات في معسكرات النزوح.

لكن هذا لم يمنع الصدمة الواسعة إزاء عمليات القتل الممنهج التي انتشرت مشاهدها من الفاشر، ما جعل عدداً كبيراً من الدول والمنظمات الدولية تدين وتشدد على ضرورة حماية المدنيين.

كما انطلقت دعوات، أبرزها من السيناتور جيم ريتش رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي، للمطالبة بتصنيف «قوات الدعم السريع» «منظمة إرهابية».

في خضم هذه المأساة والفجيعة المحسوسة على نطاق واسع، تبرز مفارقة أن هناك من يريد إعطاء دور لهذه القوات بكل سجل ممارساتها المعروف، في الترتيبات المستقبلية، سواء بالحديث عن تقسيم السودان واستنساخ السيناريو الليبي، أو باتفاق لوقف الحرب يضمن بالضرورة موقعاً ووجوداً لـ«الدعم السريع» في المشهد القادم، وهذه معضلة كبرى في ظل الهوة العميقة التي تشكلت بين أغلبية السودانيين وهذه القوات.

سقوط الفاشر ستكون له تداعيات كبيرة على مسار الحرب ومآلاتها. فالمدينة كانت آخر معقل للجيش والقوات المشتركة التي تقاتل إلى جانبه في دارفور، وبسقوطها تكون «قوات الدعم السريع» قد بسطت سيطرتها على الإقليم، الذي تعادل مساحته تقريباً ضعف مساحة بريطانيا.

لا تقتصر أهمية الفاشر على مكانتها التاريخية، وقصة صمودها تحت الحصار، بل تمتد إلى موقعها الاستراتيجي لكونها مركز وصل بين شمال ووسط وغرب دارفور، ومعبراً رئيسياً نحو تشاد وليبيا ومصر. وبالسيطرة عليها تصبح كل حدود السودان الغربية مفتوحة لـ«الدعم السريع» والإمدادات القادمة من الخارج. وإذا أضفنا إلى ذلك سيطرة «الدعم السريع» على مدينة بارا الاستراتيجية في شمال كردفان، تتضح خطورة المشهد أكثر، إذ بات في مقدورها تهديد الولايات الشمالية من شمال دارفور، وتهديد الأبيض وأم درمان والخرطوم والنيل الأبيض والجزيرة عبر بوابة بارا. وكل هذه الاحتمالات أشار إليها قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي) في خطابه الأخير قبل أيام، ربما مدفوعاً بطموحات شخصية وخطط مدفوعة من أطراف خارجية. فالرجل منذ انطلاق الحرب كشف عن نياته، عندما أعلن هو وشقيقه عبد الرحيم أنهما يريدان أسر أو قتل البرهان، لا بصفته الشخصية، بل بصفته القائد العام للجيش ورئيس مجلس السيادة، وكشفا بذلك عن النية المبيتة في المخطط المرسوم للسيطرة على السلطة وتفكيك الجيش لكي تكون ميليشياتهما هي البديل.

يبقى السؤال: هل يؤدي سقوط الفاشر إلى توسع الحرب، أو إلى انفصال دارفور وتقسيم السودان بتكرار السيناريو الليبي، مثلما ورد على لسان المبعوث الأميركي مسعد بولس في مقابلات عدة أجراها هذا الأسبوع في ضوء التطورات المتسارعة؟

لا أميل إلى مفهوم استنساخ التجارب، فلكل دولة ظروفها وخصوصيتها، ولكل حرب ديناميكياتها. دارفور ليست متجانسة، و«قوات الدعم السريع» لا تمثل أغلبية فيها، بل إن عدداً لا يستهان به من المكونات الإثنية هناك على عداء شديد معها، ولن ينسوا لها جرائمها والإبادة الجماعية التي ارتكبتها في عدد من المناطق بدوافع عرقية وعنصرية.

وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن إغفال أن مخططات تقسيم السودان قديمة ومعروفة وموثقة، تحدث عنها مسؤولون أميركيون وإسرائيليون سابقون، وأشارت إليها بحوث ودراسات. والمحاولات سوف تستمر، إن لم يكن اليوم فغداً، ما دامت المنطقة كلها على طاولة الإضعاف والتفتيت.

في المشهد الراهن، لا يمكن للجيش السوداني - ومعه القوات المشتركة ومجموعات من المكونات الدارفورية - أن يقف مكتوف الأيدي. سيقاتلون لمنع «الدعم السريع»، المدعومة بمرتزقة أجانب وأطراف خارجية، من إكمال هيمنتها على الإقليم، ولمنع أي مخطط انفصالي، لأن ذلك لن يعني سوى المزيد من الانتهاكات والفوضى وعدم الاستقرار في دارفور وفي الجوار الإقليمي. وتجربة جنوب السودان ما زالت ماثلة أمامنا، إذ أصبح بعد انفصاله محترباً في الداخل، ومصدراً للقلاقل في الجوار.

لذا؛ فإن المرجح أن تشهد الفترة المقبلة احتداماً في المعارك، لا سيما في كردفان التي باتت السيطرة عليها أهم من ذي قبل، وتعني الكثير في مسار الحرب ومآلاتها. أما بالنسبة للمسارات التفاوضية، فقد أصبحت بعد سقوط الفاشر وبارا أكثر تعقيداً، وأقل حظوظاً.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سقوط الفاشر هل يُكرر السيناريو الليبي سقوط الفاشر هل يُكرر السيناريو الليبي



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 19:58 2024 الأربعاء ,08 أيار / مايو

حسين الشحات مهدد بالحبس فى أزمة الشيبى

GMT 14:15 2023 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

فيلم "ساير الجنة" في نادي العويس السينمائي

GMT 16:19 2015 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

سعاد سليمان تحصد جائزة خوان كارلوس للقصة القصيرة

GMT 04:49 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

حكيمي وصلاح ضمن المرشحين لجائزة أفضل لاعب في العالم

GMT 03:05 2019 الثلاثاء ,22 كانون الثاني / يناير

الغالبية المتحركة وضعف الأحزاب التقليدية المصرية

GMT 19:48 2016 الأربعاء ,28 كانون الأول / ديسمبر

عجوز ترتدى فستان زفافها في الإسكندرية وتحجز قاعة فرح

GMT 04:06 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

نادي يوفنتوس يبحث عن وسيلة للتعاقد مع باولو ديبالا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt