توقيت القاهرة المحلي 13:58:32 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السودان... حرب ضد المواطن

  مصر اليوم -

السودان حرب ضد المواطن

بقلم: عثمان ميرغني

لا توجد حرب لطيفة، كل الحروب قاسية بطبيعتها، تختلف فقط في درجة قسوتها، وفي الأثمان التي يتحملها كل من يكتوي بنيرانها. التاريخ يؤكد أنه لم تكن هناك أي حرب خالية من المعاناة والألم والدمار، وغالباً ما يدفع الأبرياء الثمن الأكبر.

حرب السودان ليست استثناء بالتأكيد، لا في المعاناة التي أوجدتها، ولا في أن المواطن من أكبر ضحاياها. أحدثت الحرب دماراً هائلاً، وفُقدت أرواح كثيرة، وتشرد الملايين داخل وخارج البلد، وخلقت أزمات إنسانية سوف تستمر آثارها لعقود. ما زاد من حجم المعاناة أن الاستهداف للمواطنين كان منهجياً ومباشراً ومكثفاً حتى صار كثيرون يقولون إنها حرب ضد المواطن، والاتهامات كانت موجهة بالأساس لـ«قوات الدعم السريع».

في الآونة الأخيرة وبعد هزائمها المتتالية في ولاية الجزيرة وفي مدينتي بحري والخرطوم، لجأت «قوات الدعم السريع» إلى أسلوب انتقامي باستهداف المواطنين وقصفهم في الأسواق والمستشفيات، وكذلك بقصف محطات الكهرباء والمياه عمداً، وهي أساليب تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، والمواثيق والقوانين التي تلزم بحماية المدنيين والمنشآت المدنية والخدمية. فقبل أن يفيق الناس من صدمة استهداف المستشفى السعودي في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بمسيَّرة تابعة «للدعم السريع» أواخر الشهر الماضي، ما أدى إلى مقتل 70 شخصاً وجرح أكثر من مائة، جاءت فاجعة استهداف سوق «صابرين» في أم درمان يوم السبت الماضي بقذائف مدفعية أودت بحياة 54 شخصاً وإصابة أكثر من 150 آخرين. وتبع ذلك قصف مستشفى «النو» في أم درمان أيضاً أمس ما أدى إلى مقتل 6 أشخاص وجرح 38.

كانت هذه مجرد نماذج للاستهداف المروع للمواطنين الذي كان مستمراً بدرجات وطرق مختلفة منذ بدء الحرب، لكنه، بقي من سماتها البارزة.

منذ البداية استهدف المواطنون باحتلال بيوتهم وطردهم منها ونهبها وتخريبها. فقد أجبرت التكتيكات التي اتبعتها «قوات الدعم السريع» ملايين السودانيين على الهروب من مناطقهم، إذ تقدر منظمات دولية أن أكثر من عشرة ملايين شخص اضطروا للفرار من ديارهم، منهم أكثر من مليوني شخص عبروا الحدود إلى دول الجوار، والبقية توزعوا نازحين في الداخل.

ترافق ذلك مع تدمير ممنهج للبنى التحتية، والمصانع، والمنشآت الخدمية، والمرافق الصحية، ونهب البنوك والأسواق، ولم تسلم حتى المدارس والجامعات والمتاحف.

«قوات الدعم السريع» تورطت أيضاً في جرائم العنف الجنسي المنهجي الذي استخدمته سلاح حرب. قصص كثيرة مروعة وثقتها منظمات محلية ودولية ووسائل إعلام، وأكثر منها ما لم يخرج إلى العلن بسبب الخوف من الانعكاسات في مجتمع محافظ مثل المجتمع السوداني.

إلى جانب كل ذلك، يبقى أحد الجوانب الأكثر قتامة وبشاعة وهو عمليات الإبادة الجماعية لأسباب عرقية عنصرية، أو بدوافع انتقامية، سواء في دارفور أو الجزيرة وغيرها، وهي عمليات وثقت لها تقارير المنظمات الدولية والجماعات الحقوقية، وبسببها قررت الحكومة الأميركية أن «قوات الدعم السريع» والميليشيات المتحالفة معها ترتكب إبادة جماعية.

في إطار الشد والجذب والاستقطاب الحاد في المشهد السوداني، هناك من سيقول لك إن الانتهاكات تحدث من الطرفين، أي من الجيش و«قوات الدعم السريع»، لكن في الواقع لا توجد مقارنة بأي معيار موضوعي. فالانتهاكات التي حدثت من جانب الجيش كانت إما نتيجة أخطاء في القصف بالطيران أو المدفعية، وإما من ممارسات فردية قبيحة أدانها الجيش ذاته ووعد بملاحقة ومحاكمة مرتكبيها. أما انتهاكات «قوات الدعم السريع» فكانت منهجية، وعلى نطاق واسع، وموجهة في أكثرها نحو المواطنين.

أهم شهادة في هذا المجال تأتي من المواطنين أنفسهم، إذ إنهم وطوال فترة الحرب كانوا يهربون من مناطقهم إذا دخلتها «قوات الدعم السريع»، ويلجأون إلى مناطق سيطرة الجيش بحثاً عن الأمان. ترى ذلك أيضاً في مشاهد احتفالاتهم العفوية في كل منطقة يدخلها الجيش ويطرد منها «الدعم السريع»، مثلما رأينا كثيراً خلال الأسابيع والأيام الماضية في الجزيرة والخرطوم وكردفان، والتفاعل الواسع مع هذه الاحتفالات في كثير من مدن البلاد.

هذه الحرب القاسية ستكون لها تداعياتها الكبيرة على المشهد السوداني المقبل. فنتيجة للممارسات التي التصقت بـ«قوات الدعم السريع»، أصبحت هناك فجوة هائلة بينها وبين المواطن الذي لم يعد يتقبلها، ويرفض فكرة أي وجود أو دور لها في الساحة مستقبلاً. الجيش أيضاً بات أكثر تشدداً إزاء مسألة المفاوضات، وبدا الآن متمسكاً بمواصلة القتال «حتى زوال الميليشيا» على حد قول الفريق عبد الفتاح البرهان.

هل سيكون ذلك المتغير الوحيد في المشهد؟

كلا، ستكون هناك متغيرات أخرى سياسياً واجتماعياً تحتاج معالجة في مقال لاحق. فسودان ما بعد الحرب لن يكون كما قبلها بالتأكيد.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السودان حرب ضد المواطن السودان حرب ضد المواطن



GMT 01:55 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 01:52 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 01:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 01:45 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 01:40 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

بلفاست... تفسير ما حدث

GMT 01:38 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 01:29 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد

GMT 02:03 2020 الإثنين ,25 أيار / مايو

شاب يلقي بنفسه في نيل سوهاج بسبب فتاة

GMT 16:24 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

مؤشر سوق مسقط يغلق التعاملات على انخفاض

GMT 09:03 2019 الأحد ,14 تموز / يوليو

تعرف على أسعار أوبل "أسترا" 2020 في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt