توقيت القاهرة المحلي 13:30:36 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أين أخطأت إيران؟

  مصر اليوم -

أين أخطأت إيران

بقلم: عثمان ميرغني

أخطأت إيران حين قررت أن توسّع دائرة الحرب. فبدلاً من حصر ردّها في إطار المواجهة المباشرة مع مَن بادرها بالهجوم، اختارت أن تمدّ نيرانها إلى محيطها الإقليمي، مستهدفةً دول الجوار الخليجي والأردن. وبهذا القرار، تحولت من طرف يمتلك أوراق ضغط دبلوماسية وحجة قانونية أمام الهجوم الذي تعرضت له، إلى طرف معتدٍ على الجيران، ومُؤجج للفوضى.

كان بإمكان طهران أن تبني خطابها على منطق الدفاع المشروع عن النفس، وفق ميثاق الأمم المتحدة، وأن تُظهر نفسها كدولة تعرّضت لعدوان من الولايات المتحدة وإسرائيل. كان يمكنها أن تحصر ردّها في إطار عسكري مباشر ضد مَن هاجمها، فتُبقي الصراع ضمن معادلة ثنائية واضحة. لكن حين امتدّت الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى أراضي دول الجوار الخليجي والعربي، وانتقلت التداعيات إلى لبنان والعراق، تبدّل المشهد.

صحيح أن إيران تشعر بالغضب؛ فهي ترى أنها استُهدفت بينما كانت المفاوضات جارية، وتعتبر نفسها ضحية اغتيال عدد من قيادتها، وفي مقدمتهم مرشدها الأعلى علي خامنئي. هذه قد تكون عوامل تفسّر دوافع الانتقام، لكنها لا تبرّر خطأ الحسابات.

السياسة ليست إدارة للغضب، بل إدارة للنتائج. وتوسيع نطاق المواجهة يحوّل إيران من دولة تقول إنها تدافع عن نفسها، إلى طرف يهدد استقرار الإقليم بأكمله. كما يمنح خصومها فرصة لإعادة تشكيل وتوصيف عملياتهم تحت عنوان الأمن الإقليمي والدولي، وأمن الملاحة والطاقة.

في المفاهيم الاستراتيجية ينبغي أن يخدم الرد أهدافاً واضحة، ويحقق مكاسب. لكن بإقدامها على توسيع ردها بضرب جيرانها، خسرت طهران على مستويات عدة. أولاً، ما الذي يتحقق تحديداً من قصف الجيران الخليجيين؟ إنه لا يُضعف القدرة العسكرية لإسرائيل، ولا يُجبر واشنطن على تغيير الحسابات لصالح طهران. بدلاً من ذلك، فإنه يدعو إلى تدابير مضادة، ويُشدد الخناق الاقتصادي، ويحفّز تحالفاً من الدول كان يمكن (لولا ذلك) أن يسعى إلى خفض التصعيد.

ثانياً، هناك الحسابات والاعتبارات الناجمة عن تضرُّر الاقتصاد الدولي. مصادر الطاقة في الخليج، ومضيق هرمز، لا يمكن فصلهما عن الجهاز العصبي للاقتصاد العالمي. تعطيلهما يُطلق قفزات في أسعار الطاقة وتكاليف التأمين وإعادة توجيه للشحن. الأذى سيطال الجميع، بمن فيهم إيران واقتصادها المثقل أصلاً، ولا يحتمل صدمات تراكمية إضافية. العالم لن يقف متفرجاً، والضغوط سوف تشتد على إيران حتى من حلفاء كالصين.

ثمّة بُعد داخلي لإيران أيضاً. المواجهة المطوّلة تستنزف الموازنات وتُضخِّم الأزمة الاقتصادية. لا يمكن عزل عقيدة الأمن القومي عن رفاه المجتمع إلى ما لا نهاية. تدوم الدول عبر مواءمة القوة مع أهداف سياسية قابلة للتحقيق. من دون هذه المواءمة، تتآكل من الداخل.

ثالثاً، هناك كلفة الفرصة الدبلوماسية. لو لم تبادر إيران بضرب جيرانها، لكان بمقدور دول الخليج أن تتموضع للوساطة من أجل وقف إطلاق النار. هذه الدول لديها علاقات قوية مع واشنطن، وحافظت على خطوط مفتوحة مع طهران، وكان بمقدورها أن تقوم بجهد بين الطرفين. لكن قرار طهران باستهداف دول الجوار قلص أي تعاطف إقليمي محتمل.

رابعاً، منطق التصعيد لا يرحم. تُعلِّمنا نظرية الردع أن الرد يجب أن يكون متناسباً؛ وإلا انزلق إلى عنف يُقوِّض التعاطف الدولي. مهما تكن مظالم طهران إزاء العمليات الأميركية والإسرائيلية، فإن توسيع بنك الأهداف ليشمل دول الجوار يُخفِّف من قوة حجّتها، ويُعيد تأطير النزاع تحت عناوين الفوضى وزعزعة الأمن الإقليمي، وتهديد الاقتصاد العالمي.

المستفيد من كل هذا هو إسرائيل. ففي منطقة تعصف بها الاضطرابات، تتهيأ البيئة الاستراتيجية لإسرائيل الكبرى التي لم تعد مشروعاً مخفياً، بل صار الحديث عنه علنياً، وبجرأة غير مسبوقة نتيجة الظروف السائدة في المنطقة. وبينما تتحرك حكومة نتنياهو لتعزيز علاقاتها حول العالم، وتُطبِّع التعاون الأمني، وتوسّع هامشها الجيوسياسي، تتشرذم المنطقة. لقد أجّجت الخطابات حول «إسرائيل الكبرى» الرأي العام العربي، منذ أن رفع نتنياهو خرائطه المفترضة أمام العالم، وبعدها عندما صرّح السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، بأن لا بأس من إسرائيل الكبرى من النيل للفرات. وبصرف النظر عن قابلية تنفيذ الخرائط القصوى، فإن الصورة تستدعي الحذر والعمل. لكن إذا كانت دول المنطقة منشغلة بحماية أمنها واقتصادها والعمل لمنع اشتعال المنطقة كلها، فلن تتمكن من التركيز والتنسيق لمواجهة التحديات الاستراتيجية الإسرائيلية.

في ظل هذه الصورة المعقدة أخطأت طهران حساباتها. أخطأت في كيفية الرد؛ فالرد المحسوب كان سيعزز سردية «الضحية المعتدى عليها». أما الرد الواسع على الجيران فقد أعاد تعريفها كقوة إقليمية مستعدة لتوسيع الحرب خارج حدود المواجهة الأصلية، ونشر الفوضى.

وفي لحظات التحوّل الكبرى، لا يُقاس النجاح بعدد الصواريخ، بل بقدرة الدولة على كسب المعركة السياسية والقانونية والأخلاقية أمام الرأي العام الإقليمي والدولي. وهنا تحديداً، خسرت طهران جزءاً مهماً من تلك المعركة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أين أخطأت إيران أين أخطأت إيران



GMT 09:46 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

ولا ولن

GMT 09:44 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

بماذا ولماذا ستنصر روسيا والصين إيران؟!

GMT 09:43 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

الحرب والنفط والاضطراب؟

GMT 09:41 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

هل علينا أن نخاف من التقنية؟!

GMT 09:40 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

السيد «كا عبر» شيخ البلد

GMT 09:39 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

البحث عن «معنى» أو «غنيمة»

GMT 09:38 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

«سكوكروفت» للاستراتيجية ورؤية للعالم 2036

GMT 09:36 2026 الخميس ,05 آذار/ مارس

تعديلات «إيفاب» بدون «ضوء النهار»

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 18:17 2022 الأحد ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

شرم الشيخ التي لم نعرفها من قبل

GMT 21:34 2021 السبت ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

في متاهات التعليم

GMT 22:50 2018 الإثنين ,08 كانون الثاني / يناير

عمرو أديب يعرب عن حزنه لخسارة الزمالك أمام الأهلي

GMT 19:04 2022 الخميس ,03 آذار/ مارس

تأهيل الحكومة الرقمية من أجل التنمية

GMT 05:12 2020 الجمعة ,31 كانون الثاني / يناير

تعرف على سعر الجنيه المصري مقابل الريال القطري الجمعة

GMT 04:32 2021 الأحد ,03 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تؤكد دعم ليبيا لإجراء الانتخابات في موعدها

GMT 08:26 2021 الإثنين ,21 حزيران / يونيو

استمرار حظر هواوي بأمر من محكمة فيدرالية أميركية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt