توقيت القاهرة المحلي 17:27:31 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الخبز والغضب... من تونس إلى السودان

  مصر اليوم -

الخبز والغضب من تونس إلى السودان

بقلم - عثمان ميرغني

أحسب أن الصدفة وليس التخطيط، هي التي جعلت المظاهرات الاحتجاجية في تونس والسودان تتوافق مع ذكرى أحداث الربيع العربي. فالمظاهرات في البلدين ارتبطت بإجازة ميزانيتين ألقتا بعبء كبير على المواطن المطحون أصلاً بأوضاع اقتصادية ومعيشية أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها صعبة وضاغطة. الظروف كانت مهيأة بالتأكيد لانفجار الغضب والاحتجاجات، وإجازة الميزانيات كانت الشرارة التي حددت التوقيت، ولو أنها حدثت في أي توقيت آخر، فإن رد الفعل لم يكن سيختلف بغض النظر عن تزامنه أو اختلافه مع ذكرى تلك الأيام الشتوية التي أطلق عليها مجازاً «الربيع العربي»، وأثارت ما أثارت من جدل لم ينقطع بسبب ما أطلقته من أحلام وآمال، وما انتهت إليه من إحباطات وآلام.

الحكومة التونسية التي جاءت نتيجة لذلك الربيع سارعت إلى الاعتراف بأن الوضع الاقتصادي صعب، وأعلنت حزمة من الإجراءات والبرامج الاجتماعية لمساعدة ذوي الدخل المحدود والمعوزين، وتخفيف الضغوط الناجمة عن إجراءات الميزانية الجديدة. أما الحكومة السودانية التي عاندت الربيع وقمعته في مختلف مراحله معلنة أنها محصنة ضده، فإنها واجهت المظاهرات التي خرجت خلال الأيام الماضية ومنذ إعلان ميزانية عام 2018 بالهراوات والاعتقالات والغازات المسيلة للدموع، معلنة أنه لا تراجع عن الميزانية ولن تغير فيها سطراً واحداً. الفارق هنا أن تونس تعلمت من تجربتها أن تقول للشعب «فهمناكم»، وأدركت أنه في حين يمكن للناس انتقاد الربيع العربي في النتائج التي انتهى إليها خصوصاً بعد تجارب سوريا وليبيا واليمن، لكن لا يمكن انتقاده في الأسباب التي قادت إليه، سواء فيما يتعلق بالضغوط المعيشية والاقتصادية، أو الحقوق والكرامة الإنسانية. فالإصلاح لا يتحقق بمواجهة الشعب، بل بالاستماع إليه، والعمل على تلبية حاجاته وتحقيق طموحاته، وفوق كل ذلك صون كرامته.

لهذا السبب اختار الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ألا يحتفل بالذكرى السابعة للثورة التونسية في قصر قرطاج، بل توجه إلى أحد الأحياء الشعبية في العاصمة التي شهدت احتجاجات واسعة منذ إعلان الحكومة لميزانية 2018، ليعلن من هناك عن «صندوق الكرامة» لمساعدة العائلات الفقيرة، وليؤكد الإجراءات والبرامج التي ستنفذ لمساعدة ذوي الدخل المحدود والمعوزين والعاطلين عن العمل. وبدا معتذراً لشعبه عن محدودية هذه الإجراءات في مواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة قائلاً إن تونس لا تملك إمكانيات كبيرة، «ويجب أن نعرف كيف نستثمر هذه الإمكانيات المتواضعة ونوزعها بعدل».

في السودان يبدو الوضع أصعب بكثير، والأزمة مرشحة إلى تفاقم، لكن الحكومة اختارت حتى الآن على الأقل مواجهة الغضب الشعبي بسياسة العصا الغليظة، ومحاولة البحث عن جهات تلقي عليها المسؤولية أو تصرف بها أنظار الناس عن المشكلات المزمنة، والأوضاع المتردية على أكثر من صعيد. فبعدما قالت الحكومة إنها تسمح بحرية التعبير السلمي للمواطنين، والتظاهر السلمي وفقاً للدستور، إلا أنه سرعان ما غلب الطبع على التطبع، فلجأت إلى القمع والتنكيل والاعتقال في مواجهة المتظاهرين الذين رددوا شعارات «سلمية... سلمية»، و«لا... لا للغلاء»، و«حرية... سلام وعدالة». إضافة إلى ذلك سعت الحكومة إلى إلقاء اللوم على «السماسرة» واعتبرتهم مسؤولين عن ارتفاع الأسعار، متوعدة بإنزال عقوبات رادعة عليهم.
هذه سياسة لا تريد أن ترى الأمور على حقيقتها، ولا أن تسمع الشارع ومطالبه. فالأزمة وإن فجرتها الميزانية الجديدة بإجراءاتها التي زادت الأعباء المعيشية على كاهل المواطنين المرهقين أصلاً من تبعات أعوام من السياسات الخاطئة، إلا أنها كانت تتفاعل منذ سنوات، وأدت قبل ذلك إلى تفجر الغضب والمظاهرات مثلما حدث في احتجاجات سبتمبر (أيلول) 2013 التي قتل فيها العشرات (الحكومة وضعت العدد عند 80 قتيلاً، بينما منظمات المجتمع المدني قدرتهم بمائتين)، أو في الاحتجاجات التالية المتقطعة التي كان آخرها العام الماضي.
الأوضاع السياسية لم تشهد اختراقات حقيقية رغم شعارات وجلسات الحوار، بينما الحروب والتوترات مستمرة على عدة جبهات وإن تراجعت حدتها، أما الاقتصاد فقد شكل الفشل الأكبر، إذ

شهد تردياً مريعاً، بينما تفاقمت المعاناة على الناس الذين كانوا يرون تضخماً في الحكومة (80 وزيراً ووزير دولة إضافة إلى مساعدي الرئيس) وتراجعاً في الأداء. حتى «الطفرة» النفطية القصيرة لم تخرج الاقتصاد من أزمته بعدما بددت في الإنفاق البذخي والصرف العسكري والأمني، ليقضي الفساد الذي استشرى على ما تبقى، قبل أن يذهب الجنوب مع غالبية النفط في انفصال عام 2011. كانت تلك فرصة حقيقية لمعالجة مشكلات هيكلية في الاقتصاد السوداني، وتنفيذ سياسات إنتاجية حقيقية وإنقاذ مشاريع زراعية كبرى، لكنها ضيعت، وعاد السودان ليبحث عن المنح والهبات والقروض لمواجهة العجز المتزايد في ميزانياته، وتسكين الأزمة الاقتصادية بحلول تؤدي في الواقع إلى تفاقمها.

المظاهرات في تونس والسودان تفجرت بسبب الميزانية والأزمة الاقتصادية، لكن المعالجة في البلدين تبدو مختلفة، كما النتائج، وأحسب أن الأزمة في السودان أعمق وتهديدها أكبر.

نقلا عن الشرق الاوسط اللندنيه

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الخبز والغضب من تونس إلى السودان الخبز والغضب من تونس إلى السودان



GMT 09:48 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

قوة اسرائيلية فجرت منزلا ببلدة كفركلا في جنوب لبنان

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 11:44 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

اكتشاف طريقة لإعادة شباب الخلايا ومحاربة الشيخوخة
  مصر اليوم - اكتشاف طريقة لإعادة شباب الخلايا ومحاربة الشيخوخة

GMT 19:34 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

أورسولا فون دير لاين تكشف خطة دعم لأوكرانيا بـ90 مليار يورو
  مصر اليوم - أورسولا فون دير لاين تكشف خطة دعم لأوكرانيا بـ90 مليار يورو

GMT 09:56 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 20:22 2024 الخميس ,10 تشرين الأول / أكتوبر

الإسماعيلي يفوز على بلبيس 2-1 استعداداً للموسم الجديد

GMT 03:13 2020 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

7 وجهات تستحق الزيارة في كينيا في ربيع 2020

GMT 01:24 2020 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

حالة الطقس في مصر اليوم الأربعاء 22 يناير/ كانون الثاني

GMT 14:13 2020 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

تعرَّف على أسرار شخصية مولود برج الدلو وأبرز صفاته

GMT 05:19 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

الرئيس الأميركي يعلن موعد اتفاق تبادل التجارة مع الصين

GMT 07:12 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

عباس يؤكّد أنّ انتخابات القدس لن تتم إلا في قلب المدينة

GMT 06:03 2019 الأربعاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

طبيب يخدع المريضات باسم أنجلينا جولي ويرتكب 25 جريمة جنسية

GMT 19:37 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

عودة الزعيم ويوسف الشريف في الماراثون الرمضاني 2020

GMT 01:31 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

أول تعليق من تامر حسني بعد تكذيب دخوله موسوعة غينيس

GMT 20:42 2019 الأربعاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

بعد شهرين من ولادتها الظهور الأول لابنة حنان مطاوع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt