توقيت القاهرة المحلي 02:59:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السودان... ملامح خريطة ما بعد الحرب

  مصر اليوم -

السودان ملامح خريطة ما بعد الحرب

بقلم: عثمان ميرغني

يقولون «للنجاح ألف أب، لكن الفشل يتيم». بمجرد أن لاحت مؤشرات النصر على الميدان حتى بدأ السباق على حجز مقاعد في مشهد ما بعد الحرب في السودان. ومن هنا يمكن أن نفهم الضجة الواسعة التي أحدثها خطاب الفريق عبد الفتاح البرهان، مطلع هذا الأسبوع عقب تسلمه خريطة طريق للمرحلة المقبلة قدمتها قوى سياسية ومجتمعية معروفة أصلاً بموقفها الداعم للمكون العسكري حتى قبل اندلاع الحرب الراهنة. فالكل يرتب صفوفه، وينظر في استراتيجيته للتعامل مع المشهد الذي تبلور مع الانتصارات التي حققها الجيش واستعاد بها سيطرته على معظم أرجاء البلاد.

انشغل الناس بخطاب البرهان أكثر مما انشغلوا بما جاء في ورقة خريطة الطريق المقدمة إليه والتي قال إنه سيؤخذ بها ضمن الأفكار للمرحلة المقبلة. فالخطاب احتوى رسائل موجهة إلى جهات عدة، وبعض ملامح التفكير الذي يتبلور لترتيبات المرحلة المقبلة وشكل الحكم وآلياته.

الجهات التي خاطبها الفريق البرهان هي القوى السياسية التي قدمت له الورقة بالطبع، ثم الإسلاميون والمؤتمر الوطني (حزب النظام السابق)، ومجموعة تنسيقية «تقدم» التي أصبحت الآن بمسمى جديد هو «صمود» اختصاراً، وأخيراً «قوات الدعم السريع».

بالنسبة إلى مقدمي الورقة، وهم أساساً من «الكتلة الديمقراطية»، فقد قال الفريق البرهان إنهم «سيكونون جزءاً أصيلاً مما سيتحقق من نصر كامل في البلاد»، وهو ما يُفهم على أنه بمثابة حجز مقعد لهم في الترتيبات القادمة، وهو ما أتوقع أن يحدث مع أطراف أخرى بناءً على موقفها من الحرب. أما بالنسبة إلى القوى السياسية المناوئة، التي اتخذت موقفاً عدائياً من الجيش وواجهت اتهامات بالانحياز إلى «الدعم السريع»، فإنه لم يخاطبها بالطريقة الإقصائية السابقة، بل ترك الباب مفتوحاً للترحيب «بكل شخص رفع يده من المعتدين وانحاز إلى الصف الوطني».

الرسالة للإسلاميين والمؤتمر الوطني كانت أكثر إثارة للغط والجدل، إذ إن الفريق البرهان أراد أن يؤكد أن هذه الحرب ليست حرب الإسلاميين ولا مجال لأي جهة للتكسب منها سياسياً، ومن أراد أن يقاتل تحت أي راية سياسية فعليه أن يضع السلاح ويبتعد، على حد تعبيره. الحقيقة أن هذه ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها قادة الجيش بمن فيهم البرهان والفريق شمس الدين كباشي والفريق ياسر العطا، عن أن الحرب ليست حرب فصيل سياسي، وأن كل من يقاتل إلى جانب الجيش يخضع لقيادته ولا ينظر إليه على أنه يقاتل تحت راية سياسية معينة. فالإسلاميون وإن كانوا من أوائل من انبروا للحرب، لكنهم ليسوا وحدهم الذين استنفروا للقتال إلى جانب الجيش، إذ إن هناك أعداداً مقدَّرة من المتطوعين من مختلف التيارات والتوجهات، بل فيهم من شباب «ثورة ديسمبر» أيضاً، إضافةً إلى أعداد من الناس الذين لا انتماء سياسياً لهم، بل انخرطوا في القتال إلى جانب الجيش لأسباب وطنية دفاعاً عن البلد وللتصدي لمن شرَّدهم من بيوتهم، ونهب، ودمَّر، واغتصب.

قادة الجيش سعوا لرسم مسافة بينهم وبين الإسلاميين، وتركوا لهم في الوقت ذاته باب العودة إلى المشهد مفتوحاً من خلال المشاركة في الانتخابات المستقبلية، حتى ولو تحت راية حزب المؤتمر الوطني إن أرادوا، ما دامت الصيغة المطروحة للحوار الوطني السوداني المقترح هي أن يكون «شاملاً» لكل القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، من دون إقصاء.

الرسالة الأخيرة في خطاب البرهان كانت لـ«قوات الدعم السريع»، ولم تكن مهادنة، بل سارت على خط رفض العودة للتفاوض والإصرار على مواصلة القتال حتى دحرها بالكامل أو قبولها بالانسحاب من مناطق سيطرتها المتبقية في غرب كردفان وولايات دارفور وتجميع قواتها في مراكز ومعسكرات محددة.

الواضح أنه مع التحولات في الميدان العسكري، بدأ التفكير يتجه نحو ترتيبات المرحلة المقبلة التي ستكون مبدئياً من أربع سنوات، تقسَّم بين مرحلة تأسيسية لمتابعة مهام ما تبقى من الأعمال العسكرية، وترتيبات الحوار السوداني - السوداني، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، تليها مرحلة انتقالية للإعداد للانتخابات المقبلة. البرهان فتح الباب أمام الجميع للمشاركة في الحوار الشامل، وأغلقه في الوقت ذاته أمام أي مشاركة للسياسيين في حكومة الفترة التأسيسية والفترة الانتقالية التي ستكون حكومة تكنوقراط.

السودانيون الذين أنهكتهم فترة الحرب لا يريدون رؤية مماحكات السياسة التي أفشلت الفترة الانتقالية الماضية، بل أسهمت في الاحتقان الذي قاد إلى الحرب. والأولويات بالنسبة إليهم ستكون بسط الأمن، وتوفير الغذاء والدواء واستئناف دورة الحياة الطبيعية، وبدء إعادة الإعمار بعد الدمار الهائل الذي لحق بالبلد. هذا الأمر يستدعي مرونة من الأطراف العسكرية والسياسية والمدنية للتوصل إلى توافق يقود البلد إلى بر الأمان، بدلاً من معادلات الإقصاء التي عانى الناس من ويلاتها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السودان ملامح خريطة ما بعد الحرب السودان ملامح خريطة ما بعد الحرب



GMT 01:55 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 01:52 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 01:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 01:45 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 01:40 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

بلفاست... تفسير ما حدث

GMT 01:38 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 01:29 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد

GMT 02:03 2020 الإثنين ,25 أيار / مايو

شاب يلقي بنفسه في نيل سوهاج بسبب فتاة

GMT 16:24 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

مؤشر سوق مسقط يغلق التعاملات على انخفاض

GMT 09:03 2019 الأحد ,14 تموز / يوليو

تعرف على أسعار أوبل "أسترا" 2020 في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt