توقيت القاهرة المحلي 02:59:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تشاد وثمن تأجيج حرب السودان

  مصر اليوم -

تشاد وثمن تأجيج حرب السودان

بقلم: عثمان ميرغني

يخطئ من يظن أن إشعال أو تأجيج الحروب في بيوت الجيران يمكن أن يتمّ بلا تكلفة. فالنار، حين تُؤجَّج، لا تعترف بالحدود، ولا تميّز بين من أشعلها ومن جاورها. وما يجري في السودان اليوم يقدّم مثالاً صارخاً على خطورة التدخلات الخارجية، وترجمة عملية للتحذيرات التي انطلقت منذ بدايات الحرب بأنها لن تقف عند حدوده.

تشاد تدفع اليوم ثمن انخراطها في تأجيج الحرب في السودان بعد أن تحولت منذ فترة مبكرة إلى بوابة رئيسية لعبور السلاح والمرتزقة عبر حدودها، وهو ما وثقته تقارير دولية متعددة. ولأنها دولة تعاني أصلاً من هشاشة داخلية وتحديات أمنية واقتصادية عميقة، فقد بدت كمن اختار اللعب بالنار وبيته من هشيم. حدودها الطويلة مع السودان، والتركيبة الاجتماعية المتداخلة، وانتشار السلاح في المنطقة، كلها عوامل تجعل من تأجيج الحرب في السودان مغامرة خطرة.

لذلك لم تكن الهزة التي أحدثها مقتل سبعة عسكريين تشاديين في اشتباك مع عناصر من «قوات الدعم السريع» عبرت الحدود، أمراً مفاجئاً. في البداية حاولت مواقع تشادية إلقاء التهمة على الحكومة السودانية، غير أن الحقيقة كانت أوضح من أن تُخفى أو يُلتف عليها، إذ وثقها، كعادتهم، مقاتلو «الدعم السريع» أنفسهم في مقاطع فيديو انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي. ظهروا وهم يتباهون بتوغلهم داخل العمق التشادي، وبالمعركة التي قُتل فيها الجنود التشاديون وقائدهم، مرددين شعارات من قبيل: تشاد محررة... خلصنا من السودان، والآن تشاد.

وحسمت الحكومة التشادية الأمر في بيان رسمي حملت فيه «قوات الدعم السريع» المسؤولية، مؤكدة أن عناصرها عبرت الحدود بشكل غير قانوني «ونفذت عملية مسلحة على الأراضي التشادية استهدفت قوات الدفاع والأمن ومدنيين، وأسفرت عن مقتل سبعة جنود تشاديين، ووقوع عدد من الجرحى وتدمير ممتلكات».

هذه لم تكن الحادثة الأولى، ولن تكون الأخيرة. ففي الشهر الماضي قُتل أيضاً جنديان تشاديان إثر هجوم بطائرة مسيرة استهدف حامية في بلدة حدودية. ورغم محاولات «الدعم السريع» التنصل من المسؤولية وإلصاقها بالجيش السوداني، أصدرت قيادة أركان الجيش التشادي بياناً حملت فيه «الدعم السريع» المسؤولية، محذرة من تبعات ذلك.

لقد لعبت تشاد دوراً في تأجيج الحرب في السودان وكانت -وفق العديد من الشواهد والتقارير الدولية- نقطة عبور رئيسية للسلاح والمرتزقة إلى «قوات الدعم السريع»، وإن ظلت تنفي رسمياً دعمها لأي طرف. غير أن تقارير متواترة تحدثت عن رحلات طيران محملة بالعتاد حطت في مطارات تشادية، ومتجهة إلى «الدعم السريع»، فضلاً عن توثيق مشاركة تشاديين في القتال إلى جانب «الدعم السريع».

الموقف التشادي لم يكن هكذا في بداية الحرب، لكنه انتقل من الحياد إلى دعم «قوات الدعم السريع» نتيجة حسابات تعتقد أن الخطر الأكبر على النظام قد يأتي من الزغاوة النافذين في تشاد والذين توجد علاقات وأواصر قبلية ممتدة بينهم وبين زغاوة السودان. كانت تلك الحسابات تقوم على أن سيطرة «قوات الدعم السريع» على دارفور سوف تساعد حكومة أنجامينا في منع أي تمرد للزغاوة داخل تشاد. يضاف إلى ذلك العامل المالي المتمثل في الدعم الذي تلقته حكومة تشاد، ما جعلها أداة في مغامرات تستهدف السيطرة على السودان، أو تفكيكه.

المشكلة لتشاد أنها كانت كمن يشعل عود ثقاب قرب برميل بنزين. فأوضاعها الداخلية هشة، وتوازناتها القبلية حساسة. والانحياز إلى «قوات الدعم السريع» التي ارتكبت مجازر مروعة في دارفور، كان كفيلاً بإثارة انقسامات داخلية، وتهديد تماسك الجيش التشادي ذاته، في ظل التداخل القبلي على جانبي الحدود.

اليوم بدأت تشاد تجني نتائج حساباتها الخاطئة في السودان. فالتوترات الداخلية تتزايد، وتتحدث تقارير عن تململ في الجيش، مع تحذيرات متزايدة من احتمال انفجار داخلي يهدد حكومة ديبي، لا سيما مع انتهاك «قوات الدعم السريع» للحدود ومقتل جنود تشاديين. ومع تقدم الجيش السوداني في الميدان، وتضييق الخناق تدريجياً على «قوات الدعم السريع»، فإن توغل عناصرها داخل الأراضي التشادية يبقى مرشحاً للتكرار، ومعه انتقال الاضطرابات عبر الحدود.

من يصب الزيت على نار في بيت جاره، فلن يأمن ولن يهنأ، لأنها سوف تمتد إليه، لا سيما إذا كان بيته من قش. وما حدث في تشاد قد نرى مثله في دول أخرى تورطت في تأجيج حرب السودان وانخرطت في المخطط ضده.

استقرار السودان ركيزة أساسية لاستقرار جواره، وتأجيج الحرب فيه وإطالة أمدها لم يكن سينتج إلا مزيداً من اللاجئين، وانتشار السلاح، وتفكك الدول الهشّة المحيطة، وعدم الاستقرار في الإقليم. وعندها لن يكون السؤال للمتورطين: هل ستصل النار؟ بل متى، وبأي ثمن؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تشاد وثمن تأجيج حرب السودان تشاد وثمن تأجيج حرب السودان



GMT 01:55 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 01:52 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 01:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 01:45 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 01:40 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

بلفاست... تفسير ما حدث

GMT 01:38 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 01:29 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد

GMT 02:03 2020 الإثنين ,25 أيار / مايو

شاب يلقي بنفسه في نيل سوهاج بسبب فتاة

GMT 16:24 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

مؤشر سوق مسقط يغلق التعاملات على انخفاض

GMT 09:03 2019 الأحد ,14 تموز / يوليو

تعرف على أسعار أوبل "أسترا" 2020 في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt