توقيت القاهرة المحلي 16:23:01 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السودان... ماذا بقي من «ثورة ديسمبر»؟

  مصر اليوم -

السودان ماذا بقي من «ثورة ديسمبر»

بقلم: عثمان ميرغني

في كل دول ما عرف بـ«الربيع العربي»، انتهت المسارات إلى مآلات بعيدة كل البعد عن الأحلام الأولى. انتهى الأمر في معظم الحالات إلى كابوس الحروب والتشرذم، من سوريا إلى اليمن وليبيا، وانتهاء بالسودان الذي التحق بالركب متأخراً، لكنه لم ينجُ من هذا المصير القاسي، إذ حل لهيب الحرب محل نعيم التغيير الموعود.

غداً يصادف مرور سبع سنوات على «ثورة ديسمبر» السودانية، وسيتذكر الناس التاريخ، لكن ليس بذات الرومانسية، بل بعين مرهقة ترى الواقع من منظور مختلف. فالهم اليومي حل محل السياسي، والخوف محل الأمل، والبقاء محل الشعارات.

نجحت «ثورة ديسمبر» في توحيد الناس، أو فلنقل أغلبيتهم، على ما لا يريدونه، لكنها لم تنجح في توحيدهم حول ما يريدونه عملياً: شكل الدولة، وهويتها، وطبيعة الحكم، وكيف يُحكم السودان. ومع غياب هذا الاتفاق، انفتحت الأبواب أمام كل أشكال الصراع.

لم يُترك السودان ليجرب مساره الخاص في أجواء تمكنه من سلاسة الانتقال. ركب كثيرون موجة الثورة من دون أن يكونوا جزءاً من تضحياتها، بينما بددت الخلافات السياسية ولغة الإقصاء، والصراع على السلطة والسباق على الكراسي، زخم اللحظة، وخلقت بيئة مهيأة للانفجار والحرب. وفي تلك الأجواء الهشة كان لصراعات المحاور الإقليمية، والمال السياسي، والمصالح الأمنية دورها في تحويل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة.

تتحمل النخب السياسية والمدنية مسؤولية حقيقية في إضعاف مسار «ثورة ديسمبر». فقد انشغلت قطاعات واسعة منها بصراعات آيديولوجية وحزبية ضيقة، بدل السعي إلى بناء حد أدنى من التوافق الوطني. سادت لغة الإقصاء والتخوين، بدل إدارة الخلاف باعتباره أمراً طبيعياً في مرحلة انتقالية معقدة. وفي خضم انشغالها بتلك الصراعات، فشلت هذه النخب في إنتاج مشروع وطني جامع يوازن بين مطالب العدالة الثورية ومتطلبات الاستقرار.

الأخطر أن بعض النخب دخلت، عن قصد أو بسذاجة سياسية، في تحالفات قصيرة النظر مع مراكز قوة عسكرية، ومع «قوات الدعم السريع» بشكل خاص، ظناً منها أنها تستطيع استخدامها أداة لتحجيم الجيش وإعادة هندسة ميزان القوة لمصلحتها. لكنها في الواقع أسهمت في تغذية طموحات قائد «الدعم السريع» للهيمنة على السلطة، والتفكير في أن يكون بديلاً عن الجيش. وهكذا، بدل أن تكون تلك النخب جزءاً أساسياً في الحل، تحولت في كثير من اللحظات إلى جزء أصيل من الأزمة.

المفارقة المؤلمة أن هذه الأطراف، بدلاً من مراجعة تجربتها، مضت في الخطاب ذاته: خطاب إقصائي، ومماحكات سياسية، ورهانات خاسرة على أدوار لقوى مسلحة، وانخراط في تقاطعات إقليمية وخارجية، في وقت بات واضحاً فيه أن أطرافاً إقليمية ضالعة بشكل خطير في تأجيج الحرب وإطالة أمدها عبر إمداد «الدعم السريع» بالسلاح، خدمة لأجنداتها الخاصة ومصالحها.

مع ظروف الحرب، هناك واقع جديد تشكل، ومعادلات مختلفة فرضت، وأوضاع تغيرت، وهموم وأولويات تبدلت. قوى الثورة ذاتها تفرقت، وانحاز بعضها إلى صف الجيش، وتحالفت أطراف أخرى مع «الدعم السريع». تشتت كثير من شباب الثورة بين النزوح واللجوء، أو انشغلوا بلقمة العيش وهموم الحياة في ظل الحرب.

الذين يراهنون على إعادة المشهد كما كان، واهمون. عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، وشعارات الثورة، التي لم يتحقق معظمها، لن تكون كافية لإعادة إنتاج المشهد السياسي ذاته، ولا لإعادة الوجوه نفسها إلى كراسي السلطة بالمعادلات والمشروعية السابقة. «ثورة ديسمبر» لم تعد مساراً متصلاً، فقد تفككت قواها وفقدت جزءاً كبيراً من تكويناتها ومن تأثيرها، والمجتمع نفسه تغير تحت وطأة الحرب والنزوح والظروف القاسية التي فرضت عليه، ولن ينظر إلى الأمور اليوم بذات منظار 2018.

لحظة الحرب ليست لحظة بطولة خطابية، بل لحظة امتحان قاسٍ للجميع. المطلوب اليوم ليس استعادة لغة الشعارات، بل التكيف مع واقع جديد، والتفكير في مشروع أكثر واقعية، وأقل رومانسية. بعبارة أخرى، قد تبدو صادمة لكنها ضرورية؛ المطلوب اليوم الانتقال من «مشروع ثوري» إلى «مشروع إنقاذ» يبني على الممكن، ويعترف بأننا في مرحلة تاريخية مختلفة. مشروع يضع الوطن فوق كل الاعتبارات، ويعمل بمفهوم الدولة أولاً، ويقر بأنه لن تكون هناك ديمقراطية بلا احتكار مشروع للعنف، وبلا مؤسسات قائمة وعاملة تمنع الانزلاق نحو الفوضى.

هناك حاجة ملحة إلى مشروع جامع، يتبلور عبر حوار وطني شامل لا يقصي أحداً لتحديد كيف يُحكم السودان، لا من يحكمه. فقرار من يحكم ينبغي أن يُترك للناس، للاختيار عبر صناديق الاقتراع. الوصفات القديمة فشلت، والسودانيون تعبوا من دوامة الفترات الانتقالية المضطربة، والحقب الديمقراطية القصيرة الأجل، والانقلابات المتكررة، ويحلمون أكثر من أي وقت مضى بالأمن والاستقرار، وبوطن آمن يستريح من عناء الحروب، ومن صراعات الإقصاء في السياسة، وحول كراسي السلطة... ومن تكرار فشل النخب.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السودان ماذا بقي من «ثورة ديسمبر» السودان ماذا بقي من «ثورة ديسمبر»



GMT 06:38 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

الانكشاف اللبنانى.. الأسئلة المتفجرة!

GMT 06:31 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

أسباب غريبة للسعادة فى فيينا!

GMT 06:06 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

إنقاذ مشروع قومى!

GMT 06:04 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

هل يتغير ميزان الخوف فى المنطقة؟

GMT 06:03 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

مؤسسات دولية بنكهة إبستينية!

GMT 06:01 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

ما بعد الأيام

GMT 05:58 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

الأسئلة …!

GMT 05:56 2026 السبت ,13 حزيران / يونيو

حين تغيب الحقيقة

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:22 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 11:46 2018 السبت ,27 تشرين الأول / أكتوبر

محمد صلاح يقود نادي "ليفربول" ضد "كارديف سيتي" السبت

GMT 08:51 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

توازن بين حياتك الشخصية والمهنية

GMT 02:00 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

حكايات السبت

GMT 11:27 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

الإصابات تضرب الأهلي قبل عودة الدوري

GMT 22:48 2016 الثلاثاء ,29 آذار/ مارس

فوائد الليمون الهندي

GMT 23:02 2016 الخميس ,04 شباط / فبراير

السبانخ و البيض و المحار لتقوية الشعر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt