توقيت القاهرة المحلي 01:55:46 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السودان: ضبط السلاح والعشوائيات

  مصر اليوم -

السودان ضبط السلاح والعشوائيات

بقلم: عثمان ميرغني

لن يكون سهلاً على السودانيين نسيان آلام هذه الحرب، فقد مست كل بيت تقريباً، ودمارها طال كل شيء، وآثارها ستبقى عالقة في الأذهان، وماثلة أمام الناس لردح من الزمن.

سودان ما بعد الحرب لن يكون كما سودان ما قبلها. من مرارة التجربة، ستكون هناك دروس كثيرة، وتغييرات تمس أموراً كان الناس يتغافلون عنها، وإن شكوا منها لا يحدث فعل جدي للتعامل معها.

من بين أهم الدروس إنهاء ظاهرة الميليشيات والحركات المسلحة والجيوش الرديفة بحيث لا يكون هناك أي سلاح خارج منظومة القوات المسلحة النظامية وتحت سلطة الدولة. فالانفلات السابق والسماح بنمو «قوات الدعم السريع»، هو الذي قادنا إلى ما نحن فيه اليوم.

من هنا تأتي أهمية القرار الأخير الذي يقضي بأن تكون كل القوات المساندة والحليفة التي تقاتل الآن إلى جانب الجيش، خاضعة لقانون القوات المسلحة لعام 2007، ذلك أن القرار إلى جانب كونه تنظيمياً لفرض الانضباط على حملة السلاح، وتأمين الاستخدام القانوني والمرشد لهذا السلاح، فإنه يضع أيضاً اللبنات للخطوات الأخرى المتوقعة، بل والضرورية، لعمليات دمج كل القوات والحركات التي تحمل السلاح في صفوف القوات المسلحة وفق الآليات والترتيبات والشروط المعمول بها، بحيث يكون هناك جيش واحد مهني وقومي، وسلاح موحد خاضع لسيطرة الدولة، لا لسيطرة مجموعات أو أفراد أو مصالح خاصة.

الخطوة لم تكن معزولة بل جاءت بعد قرارات أخرى تتعلق بإنهاء جميع المظاهر المسلحة في وسط العاصمة الخرطوم، وإخراج كل القوات إلى معسكرات خارجها، مع التشديد على عدم حمل الأفراد لأي سلاح والتجول به في المناطق المدنية، من أحياء سكنية وأسواق وغيرها.

كل هذه الإجراءات تصب في مساعي بسط الأمن وتهيئة الأجواء لعودة الناس إلى بيوتهم، وإعادة الحياة إلى العاصمة القومية التي تشهد جهوداً مكثفة لإزالة مخلفات الحرب وتأهيل مرافق الخدمات وإصلاح البنية التحتية الضرورية وفي مقدمتها الكهرباء والمياه، والعمل على تشغيل المطار خلال الأسابيع القليلة المقبلة.

بالتوازي مع ذلك كانت هناك قرارات تتعلق بملفين برزا إلى السطح بقوة ضمن دروس الحرب، هما السكن العشوائي والوجود الأجنبي غير المقونن. فعلى الرغم من أنهما كانا هاجساً ومثار نقاش متقطع منذ أمد بعيد، إلا أن الحرب وضعتهما في دائرة الضوء والاهتمام من قبل المواطنين والسلطات على حد سواء. كثير من عمليات نهب منازل المواطنين الذين هجرتهم الحرب، ونهب الأسواق والمصانع ارتكبها بعض سكان هذه العشوائيات ووثقت جرائمهم مقاطع فيديو كثيرة منتشرة. وكثير من عصابات النهب المسلح التي وقعت في يد السلطات كانت تأتي من مناطق سكن عشوائي. أخطر من ذلك فإن أعداداً ممن انخرطوا في صفوف «قوات الدعم السريع» وشاركوا في انتهاكاتها وجرائمها في الخرطوم ومدني وغيرهما كانوا من سكان بعض العشوائيات.

بالتأكيد لا يمكن التعميم، ولا يصح القول إن كل سكان العشوائيات مسؤولون عن جرائم محسوبة على بعض المجموعات والأفراد، لكن هذا لا يعني أيضاً تجاهل مشاكل السكن العشوائي المخالف للقوانين، وقبول التعدي على أراضي الدولة أو عقارات مسجلة بأسماء مواطنين وجدوا أنفسهم في مواجهة من تعدى على أراضيهم وعقاراتهم.

كل الدول من حقها التعامل مع ظاهرة السكن العشوائي التي كانت هاجساً على الدوام، لاعتبارات أمنية، ولأنها تخالف قوانين الأراضي وتشكل في الوقت ذاته مظهراً غير مقبول، ولكل ذلك تحتاج إلى معالجة مهما كانت الحساسيات. والسودان اكتشف خطأ وخطورة تجاهلها، مثلما دفع ثمن عدم التعامل مع ظاهرة الوجود الأجنبي غير المقونن الذي ارتفعت أعداده بشكل خطير حتى بات خطراً أمنياً جدياً.

السلطات بدأت تتعامل مع هذه الملفات الشائكة وهو ما يحمد لها، لأن التأخير لا يحلها بل يفاقمها. ستكون هناك معارضة من بعض الجهات، لكن القرارات التصحيحية لا يمكن أن تتوقف إذا كان للسودان أن يعالج آثار هذه الحرب، ويوظف دروسها حتى لا تتكرر الأخطاء والمآسي. في الصدد لا يمكن فهم موقف بعض قيادات حركة العدل والمساواة (جناح جبريل إبراهيم) وحركة تحرير السودان (جناح مني أركو مناوي) الرافض لأن تكون كل الفصائل والحركات المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش في هذه الحرب خاضعة لأحكام قانون القوات المسلحة. فما تقوله الحركتان بأنهما تعملان تحت مظلة اتفاقية جوبا للسلام، وأن أي خضوع لقوانين القوات المسلحة يجب أن يتم بعد تنفيذ بنود الدمج والتسريح المنصوص عليها في الترتيبات الأمنية للاتفاقية، يوحي بأن هذه القيادات تماطل وتفسر الاتفاقية بشكل انتقائي، لأنها تريد الاحتفاظ بقواتها واستخدامها ورقة للضغط.

هذه القيادات عليها أن تقرأ أيضاً دروس هذه الحرب، وعلى رأسها مخاطر تعدد السلاح، التي يدفع الكل، مسلحين ومدنيين، تكلفتها الباهظة، ولا يمكن قبول تكرارها، إذا كان للسودان أن يستقر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السودان ضبط السلاح والعشوائيات السودان ضبط السلاح والعشوائيات



GMT 08:01 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

إلى إيران

GMT 07:59 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

عالم ماسك... «الماسخ»

GMT 07:56 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

السعودية قاعدة الاستقرارفي الشرق الأوسط

GMT 07:54 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

حصرية السّلاح ليست خياراً

GMT 07:53 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

إيران... لغز «العطش والعتمة» في بلاد الغاز

GMT 07:50 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

كأس أفريقيا في المغرب... احتفال بالقيم قبل النتائج

GMT 07:49 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

كي لا يفقد لبنان جنوبه

GMT 07:46 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

كامل الشناوي ويوسف إدريس ونجاة بالذكاء الاصطناعي!

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 18:45 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

مجلس الوزراء السعودي يرفض المساس بوحدة الصومال وسيادته
  مصر اليوم - مجلس الوزراء السعودي يرفض المساس بوحدة الصومال وسيادته

GMT 00:03 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

ستة أنشطة يمارسها الأزواج الأكثر سعادة صباحًا
  مصر اليوم - ستة أنشطة يمارسها الأزواج الأكثر سعادة صباحًا

GMT 09:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 06:22 2024 الجمعة ,09 آب / أغسطس

عمرو أديب يحذر من فيلم سبايدر مان الجديد

GMT 12:32 2019 الأربعاء ,11 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع الكوليسترول يزيد احتمال الإصابة بألزهايمر

GMT 11:11 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

انعقاد الجمعية العمومية للفنادق السياحية

GMT 14:33 2019 السبت ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

جنى عمرو دياب توجه رسالة إلى شقيقتها في عيد ميلادها

GMT 22:39 2019 الجمعة ,15 شباط / فبراير

ميرنا وليد تؤكد "عيد الحب" يعطيني طاقة إيجابية

GMT 03:30 2019 الجمعة ,01 شباط / فبراير

هوية أوروبا فى قلب انتخابات البرلمان الأوروبى

GMT 05:10 2018 الإثنين ,23 إبريل / نيسان

أفكار لتزيين "كوشة العروس" بطريقة بسيطة وأنيقة

GMT 21:14 2018 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

هاينكس يدين ما أسماه "غياب الأخلاق" بين المحترفين

GMT 00:02 2023 الإثنين ,24 إبريل / نيسان

نيوكاسل يلقن توتنهام درسا قاسيا ويسحقه بسداسية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt