توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عمل يحتاجه السودان!

  مصر اليوم -

عمل يحتاجه السودان

بقلم : عثمان ميرغني

معاناة السودانيين لا تخطئها العين. تلمسها في الأسواق والشوارع، وفي أحاديث الناس عن غلاء الأسعار وتدهور قيمة الجنيه وارتفاع سعر صرف الدولار، وتحسها في صفوف السيارات المنتظرة لساعات أمام محطات الوقود. إنها معاناة يومية لم تعد تحتاج إلى أرقام لتأكيدها، وإن كانت الأرقام تكشف جانباً آخر من حجم الأزمة وعمقها.

الحرب الراهنة غير مسبوقة في حجم الخراب الذي ألحقته بالبلاد، وفي اتساع دائرة المعاناة الإنسانية والاقتصادية التي تسببت فيها. فقد تراجعت مستويات التنمية، وتناقصت الموارد المحلية، واختل الهيكل الإنتاجي للاقتصاد. وتعطلت أو دُمرت مصانع ومنشآت وبنى تحتية، وتوقفت مؤسسات وخدمات أساسية، بينما تراجع الاستثمار، وهربت رؤوس أموال وطنية وأجنبية، وهاجرت أعداد كبيرة من الكفاءات والعمالة، الأمر الذي أضعف القدرة الإنتاجية وزاد الاعتماد على الواردات.

وفي الوقت نفسه، انخفضت إيرادات الدولة بصورة حادة، وتضررت الأنشطة الإنتاجية الكبرى، بما فيها النفط والزراعة، في وقت تواجه فيه البلاد أزمة حادة في خدمات أساسية في مقدمتها الكهرباء، والتي باتت تشلّ كل مناحي الحياة، وتهدد إصلاح القطاع الصناعي، والموسم الزراعي وأرزاق المزارعين ومستقبل قطاع يمثل إحدى أهم ركائز الاقتصاد السوداني.

أمام هذا الواقع، يحتاج السودان إلى مؤتمر اقتصادي عاجل يبلور عملاً جاداً، ويضع خطة واضحة قابلة للتنفيذ لإخراج البلد من أزمته الراهنة، ووضع الأسس لإصلاح الاقتصاد والنهوض به على أسس سليمة بإجراءات واضحة يمكن البناء عليها وفق خطط من مراحل مدروسة.

لن يكون مثل هذا المؤتمر هو الأول منذ اندلاع الحرب. فقد عقد مؤتمر اقتصادي في بورتسودان أواخر عام 2024، وصدرت عنه توصيات تناولت قضايا الإنتاج والاستثمار والموارد، لكن السؤال الأهم اليوم ليس كم توصية صدرت، وإنما كم منها وجد طريقه إلى التنفيذ. فقد بقيت الأزمة، بل تفاقمت، والوقت لا يرحم.

سبق أن طُرحت أفكار لزيادة إنتاج النفط، وتعزيز الاستفادة من موارد البحر الأحمر، وتطوير المقومات السياحية، والاستفادة من تجارب دول أخرى. كما عقدت مؤتمرات للمانحين، صدرت عنها وعود لم يجد معظمها طريقه إلى التنفيذ. وفي ظل التعقيدات الدولية والأوضاع المالية الصعبة التي تواجهها دول كثيرة، لا ينبغي للسودان أن يبني خطته على انتظار الدعم الخارجي وحده، وإن ظل الدعم الدولي ومعالجة الديون المتراكمة، التي تتجاوز 58 مليار دولار بحسب تقديرات متداولة، عاملين مهمين في مسار التعافي.

المطلوب قبل كل شيء حلول تنبع من الداخل، وتقوم على تعبئة الموارد المتاحة، وإطلاق دور القطاع الخاص، وتفعيل الشراكة الحقيقية بين القطاعين العام والخاص، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي. وهذا يتطلب إزالة التعقيدات الإجرائية، وتفعيل قانون الاستثمار بصورة عملية، ومحاربة الفساد، والحد من هروب رؤوس الأموال، وخلق بيئة يشعر فيها المستثمر بالأمان والوضوح واستقرار القواعد.

كما يحتاج السودان إلى إعادة النظر في علاقة الدولة بالاقتصاد. فالدولة التي تعتمد بصورة واسعة على الجباية والضرائب لا تستطيع أن تبني اقتصاداً منتجاً ومستداماً. الأولوية ينبغي أن تكون لتوسيع قاعدة الإنتاج، وليس زيادة الأعباء على المنتجين والمواطنين.

ويجب أن تتضمن أي خطة اقتصادية إجراءات عاجلة لوقف الهدر المالي، وترشيد الإنفاق، وتوجيه الموارد نحو الغذاء والإنتاج والخدمات الأساسية، إلى جانب إنشاء أدوات لتمويل التنمية يكون من بينها صندوق تنموي يمكن أن يستند إلى الادخار المجتمعي والسندات الحكومية، وفق ضوابط واضحة وشفافة تعالج المشكلات التي ظهرت سابقاً في تطبيق هذا النموذج في مراحل مختلفة.

ويحتاج التعافي إلى خطة من ثلاث مراحل: عاجلة لوقف التدهور وحماية الإنتاج والغذاء والخدمات الأساسية، ومتوسطة لإعادة تشغيل القطاعات المتضررة واستعادة النشاط الاقتصادي، وبعيدة المدى لإطلاق الطاقات الكامنة وبناء اقتصاد أكثر إنتاجاً وتنافسية.

ورغم أهمية قطاعات الصناعة والتعدين والنقل والاتصالات، فإن قوة السودان الحقيقية ومستقبله الاقتصادي يكمنان بدرجة كبيرة في ثروته الزراعية والحيوانية. فالسودان يملك مساحات زراعية شاسعة، منها ما يقدر بأكثر من 150 مليون فدان غير مستصلحة، إلى جانب موارد مائية كبيرة من الأنهار والأمطار. وفي عالم أصبح فيه الأمن الغذائي قضية استراتيجية حاضرة ومستقبلية، فإن هذه الموارد يمكن أن تتحول من إمكانات معطلة إلى مصدر للنمو والدخل والاستقرار.

السودان لا تنقصه الموارد بقدر ما تنقصه الإدارة القوية والرشيدة، والبيئة المناسبة، والخطة التي تتحول من الورق إلى واقع. وما يحتاجه الآن ليس مؤتمراً جديداً فحسب، وإنما عمل اقتصادي وطني متواصل، بأهداف محددة، ومسؤوليات واضحة، وآليات تنفيذ.

فالأزمات الكبرى لا تُحل بالانتظار، والثروات لا تصنع التنمية ما لم تتحول إلى إنتاج. والسودان، رغم كل ما أصابه، ما زال يملك من الموارد والطاقات ما يمكن أن يجعل التعافي ممكناً، إذا بدأ العمل الجاد الآن.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عمل يحتاجه السودان عمل يحتاجه السودان



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt