توقيت القاهرة المحلي 21:09:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -

لماذا أثارت المبادرة السودانية الجدل؟

  مصر اليوم -

لماذا أثارت المبادرة السودانية الجدل

بقلم: عثمان ميرغني

كان طبيعياً أن تنشغل المجالس السودانية بالمبادرة التي قدمها رئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس أمام الجلسة الخاصة لمجلس الأمن الدولي مطلع الأسبوع الحالي. ذلك أن المبادرة حوت رؤية الحكومة السودانية لإنهاء الحرب التي طال أمدها وتراكمت معاناتها، وفي وقت تتسارع فيه التطورات والتحركات بشأنها.

المبادرة، في جوهرها، طرحت رؤية الحكومة السودانية لإنهاء الحرب عبر حزمة من الإجراءات الأمنية والسياسية، تبدأ، لا بهدنة قصيرة لثلاثة أشهر كما جاء في مبادرة الرباعية، بل تقفز مباشرة إلى وقف شامل لإطلاق النار تحت رقابة أممية وعربية وأفريقية، يتزامن معه انسحاب «قوات الدعم السريع» من المناطق التي تسيطر عليها، وتجميعها في معسكرات محددة تحت رقابة دولية، وتسجيل وفرز مقاتليها لاستبعاد العناصر الأجنبية، وصولاً إلى نزع السلاح والتسريح والدمج وفق الشروط والضوابط المتعامل بها في مثل هذه الحالات، مع التأكيد على المحاسبة والعدالة. وتتناول المبادرة تسهيل العودة الآمنة للنازحين واللاجئين إلى مناطقهم، وإعادة الإعمار، وعقد مؤتمرات لترسيخ السلم المجتمعي، وانتهاءً بعقد حوار سوداني-سوداني للتوافق على كيفية إدارة الدولة تمهيداً لانتقال ديمقراطي عبر انتخابات عامة بمراقبة دولية.

غير أن ردود الفعل التي واجهت المبادرة، خصوصاً من القوى المناوئة للحكومة والجيش، لم تنصرف إلى مناقشة جادة لبنودها بقدر ما اتجهت إلى رفضها جملة وتفصيلاً، ومحاولة تفكيكها من منطلقات سياسية مسبقة. وهذا ما يستدعي سؤالاً مشروعاً: هل المشكلة في مضمون المبادرة أم في القراءة السياسية لها؟

الحقيقة أن المبادرة الحكومية تنطلق من موقف مبدئي يرى أن أي مسار لحل مستدام لا يمكن أن يُبنى على مكافأة «قوات الدعم السريع»، والتعامل معها كطرف مساوٍ لجيش البلاد، والتجاوز عن كل ما أحدثته من دمار وما ارتكبته من فظائع. ومن هذا المنظور، تتعامل المبادرة مع «قوات الدعم السريع» لا باعتبارها فاعلاً دائماً في المشهد، بل بوصفها ظاهرة مسلحة طارئة يجب تفكيكها ضمن مسار إنهاء ظاهرة الجيوش الرديفة واستعادة الدولة لاحتكار السلاح المشروع.

هذا الطرح ينسجم، من حيث المبدأ، مع أحد الشعارات المركزية لثورة ديسمبر: «العسكر للثكنات والجنجويد ينحل»، كما يتجاوب مع رغبة قطاع واسع من السودانيين الذين باتوا يرفضون أي دور سياسي أو عسكري مستقبلي لـ«قوات الدعم السريع». ومع ذلك، فإن بعض منتقدي المبادرة يتجنبون مواجهة هذه النقطة مباشرة، ويركزون نقدهم على الجيش والحكومة، دون إبداء موقف واضح من مسألة حل «الدعم السريع» ونزع سلاحها. هنا لا يتعلق الأمر فقط بالخلاف حول آليات إنهاء الحرب، بل بخلاف أعمق حول طبيعة الدولة التي يريدها السودانيون بعد الحرب؛ هل هي دولة بجيش واحد وسلاح واحد، أم دولة تُدار بتوازنات الميليشيات وشرعنة وجودها؟

المبادرة كذلك أسهمت في إعادة تسليط الضوء، داخل مجلس الأمن نفسه، على العامل الخارجي في استمرار الحرب، لا سيما ما يتعلق بإمدادات السلاح والتمويل والمرتزقة. وقد كان لافتاً أن غالبية المداخلات ربطت بين تدفق السلاح واتساع رقعة الحرب، بل ذهب بعض المتحدثين إلى تحميل الطرف الأساسي الداعم لـ«قوات الدعم السريع» مسؤولية مباشرة عن إطالة أمد الصراع، وما ارتكبته هذه القوات من انتهاكات فظيعة وجرائم إبادة. ولعل العبارة التي لخصت هذا الموقف جاءت على لسان رئيس مجلس الأمن الحالي، مندوب سلوفينيا، حين قال: «في حرب تتسم بالفظائع الجماعية، لا توجد سلسلة إمداد محايدة».صحيح أن المبادرة تطرح مساراً طموحاً، يعلي السقف في بعض الجوانب، لكنها لا تتضمن، في جوهرها، ما يمكن اعتباره صادماً أو مرفوضاً: فهي تتحدث عن العودة الآمنة للنازحين واللاجئين، وعن المحاسبة على الجرائم، وعن إعادة الإعمار، وعن نزع السلاح خارج سيطرة الدولة، وعن حوار سوداني-سوداني يمهد لانتخابات عامة تحت إشراف دولي. وهي مطالب يصعب، منطقياً، الاعتراض عليها ما لم يكن الاعتراض نابعاً من حسابات سياسية لا من اختلاف حول المبدأ.

إن جوهر الإشكال، إذن، لا يكمن في المبادرة نفسها بقدر ما يكمن في كونها أعادت طرح سؤال الدولة والسلاح والشرعية بصورة مباشرة، ووضعت بعض القوى أمام استحقاق سياسي لا تريد مواجهته. ولذلك، بدا الرفض أقرب إلى رفض نتائج المبادرة المحتملة، لا إلى نقد موضوعي لمضمونها.

في المحصلة، قد تكون المبادرة بحاجة إلى تطوير وضمانات وآليات تنفيذ واقعية، لكن التعامل معها باعتبارها مجرد مناورة أو وثيقة علاقات عامة لا يخدم البحث الجاد عن إنهاء الحرب. فالنقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول من عرض المبادرة، بل حول أي طريق يقود فعلياً إلى دولة سودانية مستقرة، ذات سيادة، وسلاح واحد. فأي سلام مستدام للسودان لا يمكن أن يتحقق من دون حسم مسألة السلاح المنفلت، والجيوش الموازية. هذه مسألة لا تحتمل التأجيل أو التسويف... أو التحايل السياسي.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لماذا أثارت المبادرة السودانية الجدل لماذا أثارت المبادرة السودانية الجدل



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt