توقيت القاهرة المحلي 14:47:57 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من السودان إلى باب المندب: خريطة الصراع واحدة

  مصر اليوم -

من السودان إلى باب المندب خريطة الصراع واحدة

بقلم: عثمان ميرغني

ما يجري في السودان ليس حرباً داخلية بالمعنى التقليدي للكلمة، فالبعد الخارجي كان حاضراً فيها منذ اندلاعها، وتداعياتها الإقليمية لم تكن خافية على أحد.

في بدايات الحرب، سادت مقاربة مريحة لتبسيط المشهد، بوصفه خلافاً بين شركاء مرحلة انتقالية، أو نتيجة اختلال توازنات سياسية وعسكرية. هذا التوصيف لم يكن بريئاً. فالواقع أن طبيعة الصراع في جوهرها يمكن فهمها بوصفها صراعاً بين نموذج الدولة، ونموذج القوة المسلحة التي تعمل خارج منطقها، وتبني شرعيتها من السلاح والتمويل الخارجي والتجنيد الأجنبي.

السودان في هذا السياق ليس مجرد ساحة داخلية معزولة، بل عقدة جيوسياسية حساسة. ولا يمكن اختزال الحرب فيه بوصفها صراعاً على السلطة أو الموارد فحسب، بل يجب فهمها بوصفها معركة على الموقع. فالسودان يتوسط الحزام الرابط بين العالم العربي وأفريقيا، ويقع في قلب منطقة تماس جيوسياسي مع قوتين وازنتين في العالم العربي اليوم، هما السعودية ومصر. ومن يسعى إلى تطويق هاتين الدولتين أو تقليص هامش نفوذهما الإقليمي، لن تكتمل مخططاته من دون إشعال السودان، ومحاولة السيطرة عليه، واتخاذه نقطة قفز لاستكمال المشروع في صراع جيو - استراتيجي يتجاوز حدوده بكثير.

الخرائط هي مفتاح فهم التحركات الجيوسياسية. فبعيداً عن العوامل الداخلية، من أراد استيعاب أبعاد التطورات من السودان إلى اليمن والصومال، لا يحتاج سوى إلى تأمل الخريطة، وقراءة شبكة المصالح والمطامع التي تعمل على إشعال المنطقة، والسيطرة على مقدراتها، وإعادة رسم خرائط النفوذ والتوازنات، وفرض واقع جديد في البحر الأحمر وباب المندب والقرن الأفريقي.

وإذا نُظر إلى الحرب في السودان من زاوية وجود جهة تسعى إلى تعزيز واستخدام قوة مسلحة تعمل خارج سلطة الدولة، وتهدد وحدة البلد، وتحاول السيطرة على الموارد والمنافذ الاستراتيجية، وتحويل البلد إلى ساحة ابتزاز إقليمي، فإننا سنرى استنساخاً للمشهد في تطورات اليمن والصومال الأخيرة.

الخطر الأكبر لا يكمن فقط في فتح جبهة اقتتال، بل في تطبيع فكرة وجود قوة مسلحة خارج سيطرة الدولة تُعامل كأنها طرف سياسي شرعي، أو كأنها حقيقة دائمة لا يمكن تجاوزها. هذا المسار، إن اكتمل، يعني نهاية مفهوم السيادة بمعناه العملي.

نجاح مشروع تمكين قوة مسلحة من الدولة في السودان، أو ترسيخ كيان لها على رقعة من الأرض، سيجعله نموذجاً قابلاً للاستنساخ في ساحات أخرى تعاني هشاشة مشابهة. حين تُكافأ القوة الخارجة عن الدولة، أو يُغضّ الطرف عن تمددها، فإن الرسالة التي تصل إلى المنطقة واضحة: التفكيك أداة تفاوض، والفوضى خيار قابل للاستثمار. هذه الرسالة، إن تُركت دون ردع، ستعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة، وبتكلفة أعلى على الجميع.

اللحظة الحالية بالغة الحساسية لأنها تتزامن مع مرحلة إعادة ترتيب شاملة في المنطقة. فهناك من يسعى إلى إعادة رسم خرائط النفوذ والجغرافيا عبر زراعة الفوضى، وهو ما يجعل الوعي بأهمية تثبيت الاستقرار، ودعم وحدة الدولة وسيادتها، مسألة تتجاوز الشأن السوداني إلى الإقليم بأكمله. لقد أثبتت نماذج التفكيك فشلها، كما أن التعامل مع الميليشيات بدائل للدولة لم ينتج سوى مزيد من الفوضى.

المواني الواقعة على البحر الأحمر وباب المندب والقرن الأفريقي تحولت إلى نقاط ارتكاز في معركة النفوذ، حيث يجري الربط بين الأمن والاقتصاد والسياسة في نموذج واحد، يُقصي الدولة الوطنية ويُضعف قدرتها على اتخاذ قرار سيادي مستقل. وفي هذا الإطار، يصبح تفكيك الجيوش النظامية أو إنهاكها، وصعود قوى مسلحة موازية، مدخلاً عملياً للسيطرة غير المباشرة على الجغرافيا دون تكلفة الاحتلال التقليدي.

السودان، بحكم موقعه وساحله وإمكاناته، يمثل حلقة لا يمكن تجاوزها في هذا المخطط. فتركه في حالة سيولة أمنية، أو تحويله إلى دولة ضعيفة منقسمة النفوذ، يفتح المجال لفرض ترتيبات إقليمية جديدة في البحر الأحمر، لا تُراعي بالضرورة مصالح دوله المطلة ولا أمنها القومي. ومن هنا، فإن ما يجري في السودان لا يمكن فصله عن سباق النفوذ الجاري في الممرات البحرية، ولا عن محاولات خلق وقائع جديدة تُدار بمنطق الأمر الواقع، لا بمنطق القانون الدولي أو السيادة الوطنية.

في هذا السياق، يتحول السودان إلى اختبار حقيقي: هل يُعاد تثبيته بصفته دولة موحدة قابلة لإعادة البناء، أم يُترك لينزلق كأنه نموذج آخر للتقسيم والفوضى القابلة للتعميم؟

ما يحتاج إليه السودان اليوم ليس وساطات تُبقي جذور الأزمة قائمة، أو حلولاً تُساوي بين الدولة ومن ينازعها وجودها. ما يحتاج إليه هو مقاربة واضحة تعيد الاعتبار لمبدأ بسيط لكنه حاسم: لا استقرار دون دولة، ولا دولة دون احتكار السلاح والقرار السيادي. هذا يتطلب دعماً صريحاً لوحدة الأراضي، ووقف الدعم الخارجي بالسلاح والمال لـ«الدعم السريع»، ورعاية مسار سياسي لا يُكافئ من يريد فرض نفسه بالقوة، بل يعيد بناء المؤسسات على أسس وطنية، مهما كان الطريق صعباً.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من السودان إلى باب المندب خريطة الصراع واحدة من السودان إلى باب المندب خريطة الصراع واحدة



GMT 12:36 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

د. محمد غنيم.. تجربة فريدة وإنجاز مبدع

GMT 09:33 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

«نوبل» لطالبها

GMT 09:31 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

متى كان النظام الدولي منتظماً؟!

GMT 09:30 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

هل فعلاً انتهى زمن الثورات؟

GMT 09:28 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

أمواج ترمب بين مَدٍّ وجَزْر

GMT 09:26 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

مادورو ومفهوم السيادة الغامض

GMT 09:25 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

إيران: الحذر المحسوب

GMT 09:24 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

التيار الآخر في إيران

ألوان التراب تسحر إطلالات النجمات شتاء 2026

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 12:05 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

إطلالات البدلة النسائية تعكس أناقة الشتاء 2026
  مصر اليوم - إطلالات البدلة النسائية تعكس أناقة الشتاء 2026
  مصر اليوم - خبراء يتوقعون تحول الصحافة إلى محادثة مع الذكاء الاصطناعي

GMT 14:21 2026 الجمعة ,09 كانون الثاني / يناير

شيكو يعلّق على مشاركة محمد إمام فيلمه الجديد والأخير يردّ
  مصر اليوم - شيكو يعلّق على مشاركة محمد إمام فيلمه الجديد والأخير يردّ

GMT 02:44 2025 الأربعاء ,21 أيار / مايو

تكساس الأميركية تسجل 4 إصابات جديدة بالحصبة

GMT 01:02 2019 الأربعاء ,06 شباط / فبراير

فنزويلا ساحة جديدة للاستقطاب الدولى

GMT 23:56 2018 السبت ,27 كانون الثاني / يناير

شهد سامي رسامة في " بالحب هنعدي" وحفيدة سميرة أحمد

GMT 21:13 2017 السبت ,30 أيلول / سبتمبر

فوائد زيت الخروع لتطهير القولون والعمل كملين

GMT 18:55 2021 السبت ,17 إبريل / نيسان

ديكور غرف نوم باللون الكريمي

GMT 09:56 2020 الإثنين ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد صلاح يُغيِّر مقرّ الحجر الصحي وسط تكتّم وسرية شديدة

GMT 13:33 2020 الجمعة ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر اليورو في مصر اليوم الجمعة 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

GMT 13:18 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

لهواتف آيفون.. Facebook يطرح تحديثاً لإصلاح ثغرة الكاميرا

GMT 01:01 2019 السبت ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

صدمة الفنانة ندى موسى بـ شبر ميه تدخلها الأعلى مشاهدة

GMT 08:28 2019 الثلاثاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

شيرين عبد الوهاب تنافس على لقب أفضل مطربة في أفريقيا لعام 2019
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt