توقيت القاهرة المحلي 08:52:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

المطلوب بعد أحداث «صُرة السودان»

  مصر اليوم -

المطلوب بعد أحداث «صُرة السودان»

بقلم - عثمان ميرغني

أحداث مدينة مدني، حاضرة ولاية الجزيرة و«صُرة» السودان، والظروف التي أحاطت باجتياح قوات الدعم السريع لها هذا الأسبوع، أحدثت صدمة واسعة وذهولاً بين السودانيين، والأمر ستكون له تداعياته المهمة في مقبل الأيام.

البيان المقتضب الذي أصدرته قيادة القوات المسلحة لمس التساؤلات الكثيرة التي دارت في أذهان الناس وعجت بها وسائل التواصل الاجتماعي السودانية حول أسباب الانسحاب المفاجئ والمثير للريبة الذي قامت به قوات رئاسة الفرقة العسكرية الأولى من مدينة مدني. فالانسحاب جاء بعد وقت قصير من الاحتفالات التي شهدتها المدينة وسط السكان مع الجيش، بعد صد الموجة الأولى من هجوم قوات الدعم السريع ودفعها إلى مناطق خارجها. وقد أكَّد بيان الجيش، الصادر أول من أمس، أنه «يجري التحقيق في الأسباب والملابسات التي أدَّت لانسحاب القوات من مواقعها شأن بقية المناطق العسكرية».

الناس يحتاجون بالتأكيد إلى معرفة الحقائق في هذه الانتكاسة الخطيرة، لكنَّهم لا يريدون تحقيقاً لا يُفصح عن نتائجه، أو لا يكون مجيباً عن التساؤلات التي تدور في الأذهان، لا سيما وقد أثارت عبارة «شأن بقية المناطق العسكرية»، حيرتهم لأنه إذا كان المقصود بذلك تحقيقات جرت بخصوص انسحابات قوات الجيش التي حدثت في حاميات أخرى في غرب البلاد، فإن نتائجها لم تعلن لهم، ولا يعرفون عنها شيئاً، ومثل هذا الغموض يزيد الأمور سوءاً.

حجم الصدمة الأخيرة كبير لأن الهجوم على مدني كان متوقعاً منذ فترة، وأصبح مؤكداً بعد دخول قوات الدعم السريع إلى قرى في الجزيرة وفعلها ما فعلت، وبالتالي فإن الجيش كان مستعداً ويفترض أنه رتب تجهيزاته، ونجح بالفعل في صد الموجات الأولى. كما أن حكومة ولاية الجزيرة كانت قد فرضت قبل الاجتياح بأيام أمر طوارئ شمل حظر التجول من المساء حتى الفجر، ومنع التجمعات، ومنح الأجهزة النظامية سلطات حظر أو تنظيم حركة الأشخاص ووسائل النقل في الولاية وفقاً لما تقتضيه الأوضاع. لذلك كانت المفاجأة والصدمة الكبيرة عندما انقلب الموقف تماماً في سويعات قليلة، ودخلت قوات الدعم السريع المدينة وعبرت كوبري حنتوب، الذي يمثل خط الدفاع الأول والأساسي من دون إطلاق رصاصة واحدة.

ما زاد في الحيرة والارتباك والغضب حتى وسط قيادات وضباط الجيش، أن مدني كانت مكتظة بما يكفي من القوات، من جيش إلى هيئة العمليات إلى المستنفرين، بما يمكنها من مواجهة أي هجوم وصده، أو في أسوأ الأحوال الصمود لفترة طويلة إلى حين وصول الدعم من ألوية الجيش الأخرى في المناطق القريبة. فالمسألة إذاً لم تكن نقصاً في القوات، وإنما في تقصير ما وخلل فاضح، إن لم يكن تواطؤاً من بعض الجهات، أدى إلى انسحاب قوات رئاسة الفرقة العسكرية الأولى من المدينة، وما تلاه من فوضى وانهيار الدفاعات، علماً بأن عدد قوات الدعم السريع التي دخلت المدينة لم يكن كبيراً على الإطلاق لا في الأفراد ولا في العتاد العسكري.

صحيح أن معركة مدني لم تنتهِ فصولها بعد، وأن الجيش أعلن عزمه على استعادتها، لكن الأثر النفسي كان كبيراً، وكذلك البلبلة التي امتدت إلى الولايات الأخرى في ظل الشائعات التي اختلطت مع الحقائق في وسائل التواصل الاجتماعي.

تفاعلات اجتياح مدني سلّطت الضوء على مشكلة أخرى شكا منها الناس كثيراً منذ بداية هذه الحرب وهي غياب الإعلام الرسمي وضعف إعلام الجيش، في مقابل تفوق واضح لإعلام «الدعم السريع» الذي يبدو واضحاً أنه يدار باحترافية عالية، ورصدت له ميزانية كبيرة وكوادر متفرغة وتديرها شبكات متخصصة. وكانت رئيسة لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم البريطاني، النائبة أليشيا كيرنز، قد أثارت منذ مايو (أيار) الماضي موضوع النشاط الإعلامي الواسع الذي تديره شركات لصالح قوات الدعم السريع، وجزء منه موجه للتأثير على نواب البرلمان وجهات صنع القرار، الذين قالت إنه تصل إليهم منشورات صادرة من المكتب الإعلامي لقوات الدعم السريع. وطلبت كيرنز من الحكومة إطلاع النواب على الجهة التي يعتقد أنها تموّل هذا المكتب، كما طالبت بمناقشة الأمر للتأكد من عدم ارتباط أي شركة بريطانية بهذا المكتب، ودعت إلى ضرورة إحجام «كل حلفاء بريطانيا عن تمويل أي أنشطة إعلامية لقوات الدعم السريع».

الحرب الإعلامية والنفسية جزء أساسي من أي حرب، وغياب أو تخلف الإعلام الرسمي وإعلام الجيش، غير مفهوم وغير مبرر، والأمر يحتاج إلى معالجة سريعة. فغزة التي تتعرض إلى محنة قاسية وتعيش ظروفاً أسوأ بكثير من ظروف السودان الراهنة على سوئها، يقوم فيها إعلام حركة «حماس» بدور كبير لا ينقطع لنقل تفاصيل معركتهم، ورفع الروح المعنوية للناس. والجيش السوداني يحتاج إلى جهد مماثل، لكي يوضح الحقائق للناس، ويشركهم في تفاصيل ما يدور، بدلاً من تركهم نهباً للشائعات. ولن ينفع أن تشكو قيادات الجيش من أنها تواجه حملة خطيرة للتشكيك في القوات المسلحة، وخلق فجوة بينه وبين الشعب، من دون أن تقوم بعمل سريع وواضح وكبير لسد الفجوة الحاصلة إعلامياً، وهي فجوة خطيرة في ظل الحرب النفسية والإعلامية الدائرة بموازاة الحرب العسكرية.

السودانيون يواجهون امتحاناً كبيراً، ووضعاً خطيراً، ومؤامرة متشابكة الخيوط والأطراف تهدد بلدهم، ويحتاجون أكثر من أي وقت مضى إلى الثبات والتكاتف والتلاحم. وفي تقديري، أن الأمور تستدعي أيضاً عودة القيادات من بورتسودان إلى الخرطوم لقيادة المعركة من قلب الميدان، وتوجيه رسالة طمأنة قوية يحتاج إليها الناس في هذه الظروف الحرجة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المطلوب بعد أحداث «صُرة السودان» المطلوب بعد أحداث «صُرة السودان»



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد

GMT 02:03 2020 الإثنين ,25 أيار / مايو

شاب يلقي بنفسه في نيل سوهاج بسبب فتاة

GMT 16:24 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

مؤشر سوق مسقط يغلق التعاملات على انخفاض

GMT 09:03 2019 الأحد ,14 تموز / يوليو

تعرف على أسعار أوبل "أسترا" 2020 في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt