توقيت القاهرة المحلي 13:37:23 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحوار المجتمعي

  مصر اليوم -

الحوار المجتمعي

بقلم : محمد صلاح

 ستظل المجتمعات العربية، ولسنوات مقبلة، تدفع ثمن أفكار وتابوهات و «هرتلات» أمسك بها من يطلقون على أنفسهم النخب السياسية وثورجية الفضائيات ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي منذ ضرب الربيع العربي المنطقة، واستخدموها لضرب أي استقرار وتعطيل كل إنجاز. من بين تلك «الكليشيهات» مسألة «الحوار المجتمعي»، والذي صار مطلباً يطرح ويطنطن به الراغبون في إعادة العجلة إلى الوراء، والمتشبثون بتلابيب الفوضى ومناخ الثورات، كلما تم الإعلان عن مشروع جديد (في أي مجال) أو قرار مهم أو نشأت أزمة سياسية أو اقتصادية أو توتر في علاقة الدولة بأخرى، وعندما تبدأ الأجهزة الرسمية المنوط بها اتخاذ مواقف أو إجراءات للتعاطي مع التطور الجديد، تقفز على الفور تلك الوجوه المعروفة والمحفوظة والمكروهة لتطفوا إلى واجهة الصورة، ويبدأ أصحابها في سن حناجرهم وتلميع وجوههم ثم يتسابقون لحجر أماكنهم في الاستديوات أمام الكشافات والمصابيح والكاميرات، أو يجهزون صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي ويملأونها بشعارات تطالب بحوار مجتمعي حول هذه القضية أو تلك.

بالطبع جميلة فكرة الحوار المجتمعي، إذ رائع أن يتناقش الناس في الأمور التي تخصهم أو تمثل إضافة إلى مجتمعهم ليخرجوا بنتائج تنزع السلبيات وتضيف إيجابيات جديدة إلى كل فكرة أو مشروع أو قرار، وأن يدلي المتخصصون بدلوهم ويطرحون رؤاهم ويعرضون على فئات الشعب نظرياتهم تجاه موضوع ما، ويردون على أسئلة الحائرين، ويفندون شكوك المشككين، ويطمئنون قلوب الخائفين، كلها معانٍ إيجابية يفترض أن ينتج منها توافق مجتمعي ورضاء شعبي وتفهم وقبول من دون ضغوط أو إكراه. لكن الحوار المجتمعي في مجتمعاتنا التي جرى اختراقها، وبين أطرافه نخب جرى تدجينها أو شراؤها، وفي ظل ظروف يتربص بالمجتمع تنظيم هدفه الوحيد هدم الدولة على من فيها يصبح الحوار شيئاً آخر لا علاقة له بالحوار أو النقاش المتحضر، ولا يمكن أن يخرج بفائدة للمجتمع.

وفقاً لمبادئ العلوم السياسية والاجتماعية التي يدركها الباحث المبتدئ فإن فكرة الحوار المجتمعي «نشأت في ضوء ما أفرزته التحولات الفكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية على المستويات الدولية والإقليمية والمحلية من واقع جديد يتطلب جهوداً لاستيعاب هذه المتغيرات وتجنب آثارها السلبية وتعظيم فوائدها الإيجابية واحتواء الخلافات حولها». ولمن يريد مزيداً من التنظير فإن الحوار المجتمعي فرضته نتائج الثورة الصناعية منتصف القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، «حيث ظهرت الطبقة العاملة فكان طبيعياً أن تقيم الطبقة الرأسمالية نظاماً قانونياً يحمي مصالحها، وبالتالي لجأت الطبقة العاملة إلى تكوين تجمعات عمالية وشعبية للدفاع عن حقوق العمال والمجتمع المحلي الشعبي في مواجهة أصحاب الأعمال والحكومات». ويفترض أن يكون الحوار المجتمعي «أداة فعالة تساعد على حل المشاكل والأزمات ويعزز التماسك الاجتماعي عن طريق التفاوض والمشاورات والنقاش والتنازلات وتبادل المعلومات بين مكونات المجتمع أو البلد الواحد» على أن يكون له ثلاثة أطراف: النخب السياسية ورجال الأعمال وممثلو الحكومات للنقاش «حول موضوعات تصب في المصلحة العامة وتعزيز اللحمة الوطنية».

لكنّ كتب ومراجع ونظريات العلوم السياسية كلها تؤكد أنه «لا سبيل لإقامة حوار مجتمعي مثمر إلا بوجود مؤسسات مجتمع مدني قوية ونخب وطنية واعية ومن دون تدخل من أية أطراف مغرضة أو جهات تسعى إلى تحقيق مصالح على حساب أصحاب الحوار المجتمعي أنفسهم». ليس سراً أن المطالبين بالحوار في مصر مثلاً يستخدمون منصاتهم الإعلامية المصوبة نحو المصريين من الخارج، ولجانهم الإلكترونية الإخوانية لزرع الفتن ونشر ثقافة الفوضى بالأساس، هم لا يؤمنون أصلاً بأي حوار مع المخالفين لهم في الرأي أو المواقف، وهدفهم إرباك المشهد وتعطيل الإنجاز وهدم المعبد على من فيه. بالطبع فإن المصريين يسخرون من هؤلاء الذين طلبوا أن يطرح كل مشروع كبير لحوار مجتمعي قبل الشروع في تنفيذه، وأن يخضع كل قرار إستراتيجي لنقاش عام بين فئات المجتمع قبل صدوره، لأن الدعوة إلى الحوار تأتي دائماً من جهات تدعم الإخوان وتحتضن التنظيم الذي يسعى على مدى سنوات إلى هدم مصر على رؤوس المصريين الذين يدركون أن تمثيلية الحوار المجتمعي التي يتم عرضها والإلحاح عليها ليست لمصلحة المجتمع أو الناس، وإنما من أجل أن تبقى الدولة في حال سكون ولا تتحرك قبل أن يقرروا هم ما إذا كان عليها أن تتحرك، وإذا تحركت فأي اتجاه عليها أن تسلكه، بينما المجتمع نفسه يدرك أنهم ضد إصلاحه أو تطويره أو تحريكه، وإنما إفساده وتعطيله وتدميره!

نقلا عن الحياة اللندنية
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحوار المجتمعي الحوار المجتمعي



GMT 10:04 2026 الأربعاء ,29 تموز / يوليو

هندسة القرار السيادي... لماذا أصاب نواف سلام؟

GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt