توقيت القاهرة المحلي 13:22:22 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الاستيطان والبروباجندا

  مصر اليوم -

الاستيطان والبروباجندا

بقلم - منار الشوربجي

 

احتفلت الولايات المتحدة الأسبوع الماضى «بعيد الشكر»، وفى تلك الليلة تُعد الأسر الأمريكية وليمة من الديوك الرومى والقرع العسلى احتفالًا بالمناسبة. وعيد الشكر ليس احتفالًا دينيًا ولا علاقة له بالمسيحية، وإنما حكاية تنطوى على جملة من الأساطير تروج لأمريكا باعتبارها الأمة «الاستثنائية» التى تتصف بـ«الكرم» والجود. فالرواية الرسمية التى يدرسها أطفال المدارس تصف المستوطنين الأوروبيين بـ«الحجيج». فالإنجليز البروتستانت أبحروا هربًا من الاضطهاد الدينى، وبحثًا عن «أرض جديدة» يقيمون فيها «مملكة الله على الأرض»، واعتبروها «أرض الميعاد»، واعتبروا أنفسهم كالحجيج. وهم وصلوا عام 1620 لبلايموث بولاية ماساتشوستس، فاحتفى بهم أهل الأرض الأصليون. ومن بينهم شاب يدعى سكوانتو كان قد تعلم الإنجليزية من الصيادين والتجار الذين كانوا يأتون فى السابق، فعلَّم المستوطنين فنون الزراعة فزرعوا الأرض. وعندما حل موعد الحصاد على «أرضهم الجديدة» أقاموا وليمة عام 1621 ليشكروا الله، ودعوا لها السكان الأصليين فاحتفلوا معًا فى وئام!. تلك هى الرواية الرسمية للحكاية التى يتعلمها الصغار فيحتفلون بالمدارس، مرتدين ملابس الطرفين. فـ«الحجيج» يرتدون الملابس الثقيلة والقبعات، بينما «الهنود الحمر» (كما يطلقون عليهم لتجريحهم) شبه عرايا بملابس بدائية كلها من الريش! لذلك، فهى ليست مصادفة أن يصف إعلان الاستقلال الأمريكى الصادر عام 1776 الأمريكيين الأصليين بـ«الهمج».

غير أن المؤرخين فندوا تلك الحكاية. فسفينة «الحجيج» لم تكن بحال بداية الاستيطان الأوروبى فى أمريكا الشمالية. فقد سبقهم الإسبان بقرون. وحتى الإنجليز، فمن الثابت أنهم استوطنوا فيرجينيا قبل ماساتشوستس. لكن قصة فيرجينيا لا تصلح «للأمة الاستثنائية». فقد أثبتت البحوث أنهم أتوا بحثًا عن الذهب، وظلوا يحفرون الأرض وينبشون القبور وينهبون كل ما يقع فى طريقهم، ثم أجبروا السكان الأصليين إجبارًا على تعليمهم الزراعة. حتى قصة ماساتشوستس نفسها حافلة بالمغالطات. فلا سكوانتو تعلم الإنجليزية من الصيادين والتجار، ولا المستوطنون بادروا بدعوة السكان الأصليين للوليمة! فالثابت أن سكوانتو أسره التجار حين كان طفلًا وباعوه كعبد فى إسبانيا فهرب لاحقًا لبريطانيا وهناك تعلم الإنجليزية، ثم نجح فى إقناع إنجليزى بأن يصحبه معه للعودة لبلاده. وحين وصل بلايموث، موطن رأسه، وجدها خالية عقب وباء أتى على سكانها، بمن فيهم أهله، فبقى فيها، وعلَّم المستوطنين الزراعة فعلًا. وحين جاء موسم الحصاد أقام المستوطنون احتفالًا. لكن مدن السكان الأصليين المجاورة سمعت أصوات طلقات صادرة من الاحتفال، فهرع تسعون مسلحًا منهم نحو المكان لاستطلاع الأمر. غير أن هناك غموضًا تاريخيًا حول ما إذا كان المستوطنون وقت أن رأوهم دعوهم لتناول الطعام، وما إذا كان الجنود شاركوهم الطعام أم حطموا الاحتفال. لكن القدر المتيقن هو أن الصورة لم تكن وردية مثلما تروج لها الكتب المدرسية الأمريكية.

وبينما يعتبر «عيد الشكر» عطلة رسمية للاحتفال فإن ممالك السكان الأصليين تعتبره «يوم حداد»، وتطالب بتغيير الحكاية الرسمية فى الكتب المدرسية. ويقولون إن تلك الحكاية لا تسمح للأطفال بإدراك أن السكان الأصليين كانوا أممًا وممالك لها حضارتها قبل قدوم المستوطنين. كما أنها أسطورة تسدل ستارًا سميكًا على ما تعرض له السكان الأصليون بعد 1621 من مذابح وتهجير قسرى على يد المستوطنين «المهاجرين» من أوروبا عبر حروب مستمرة بدأت فى أواخر القرن الثامن عشر واستمرت مائة عام كاملة حتى نهايات القرن التاسع عشر.

لكل ما تقدم، لم تكن مصادفة أن يخرج الأمريكيون الأصليون مؤخرًا فى التظاهرات الداعمة لفلسطين.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الاستيطان والبروباجندا الاستيطان والبروباجندا



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

صبا مبارك تتألق بإطلالات عصرية راقية تواكب نجاح الفني

أبوظبي ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 20:04 2019 الثلاثاء ,04 حزيران / يونيو

قرص واحد "يطيل عمر" مرضى سرطان البروستات

GMT 07:05 2021 الأحد ,31 كانون الثاني / يناير

شكري يستقبل رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي الأحد

GMT 00:39 2021 الإثنين ,18 كانون الثاني / يناير

هنا الزاهد وزوجة كريم فهمي تثيران الجدل بفساتين قصيرة

GMT 19:10 2020 الثلاثاء ,03 آذار/ مارس

روبي تشاهد العرض المسرحي "علاء الدين"

GMT 00:00 2019 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

رمضان صبحي يؤجل إعلان مصيره مع الأهلي

GMT 08:45 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

"أبل" تُطلق جهاز "Homepod Mini" و3 هواتف جديدة

GMT 07:42 2018 الجمعة ,31 آب / أغسطس

كشف غموض فتاة توفى زوجها بسببها في تكساس
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt