توقيت القاهرة المحلي 06:54:25 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تماثيل خلفت أثرا في حياتي

  مصر اليوم -

تماثيل خلفت أثرا في حياتي

بقلم - جميل مطر

 كان دونالد ترامب يتكلم وأنا أتابع مذهولا أو غير مصدق. نمت مثقلا بما شاهدت وسمعت خلال يوم تتويجه رئيسا لأمريكا واستيقظت بنية المعذّب مواصلة العذاب. بحثت عن أخبار وردت من أمريكا خلال نومى وكانت كثيرة. من بينها رسم كاريكاتورى لتمثال سيدة الحرية وقد نزلت عن قاعدته الإسمنتية الشهيرة تحمل فى كلتا يديها حقيبتى سفر، وتحت الرسم عبارة تعكس غضب كل المهاجرين الذين وفدوا إلى أمريكا، وتعلن نيابة عنهم نية التمثال الأيقونة الرحيل قبل أن يأتيها قرار ترحيلها عنوة وظلما وإنكارا للجميل.

•  •  •

تأثرت جدا بالرسم فوق كونى مثقلا بالحزن بسبب ما سمعت وشاهدت فى اليوم السابق، فعلاقتى مع السيدة حاملة مشعل الحرية قديمة. أقمتها وأنا تلميذ فى مدرسة الخديوى إسماعيل الثانوية أدرس تاريخ الولايات المتحدة وكان التمثال يزين أول صفحة فى هذا الفصل. مرت السنون حتى زرت نيويورك. هناك وفى اليوم التالى لوصولى طلبت من الصديقين مهاب مقبل ونبيل العربى، العاملين وقتها ببعثة مصر لدى الأمم المتحدة، اصطحابى لزيارة التمثال وقضيت ساعة أو أكثر أراقب مئات المهاجرين والسياح وأكثرهم مبتهج بما يمكن أن يحمل له المستقبل من حرية وديموقراطية ورخاء. كنت مثلهم فرحا ومبتهجا كما أنا اليوم مثلهم حزين وخائف.

•  •  •

هناك عند هضبة الأهرامات أو فوقها يرقد تمثال آخر أحمل له أطيب الذكريات، إنه تمثال أبو الهول وشهرته سفنكس. عند قدميه تمددت لساعات وأنا طفل ثم وأنا مراهق ثم وأنا أقتحم أبواب مرحلة الشباب، كانت من أحلى ساعات عمرى. أذكر أن خططا كثيرة نسجنا أهم خيوطها ونحن ننعم فى هدوء المكان وروعة ضياء القمر وعمق التاريخ وإبداعاته وجمال مستقبل ينتظرنا. كان التمثال المتمدد على أرض المكان شاهدا على أسرار تداولناها همسا وجهارا مطمئنين إلى أنه لن يفشى منها سرا واحدا. هناك على بعد خطوات كان يقف مختبئا وراء كثبان رمل «غفير» مكلف بالحراسة وكذلك بالتنصت. هو أيضا كأب الهول لم يفش سرا أو مشهدا وإن بمقابل زهيد. اللوحة فى كليتها مثيرة للإعجاب والتأمل إلى يومنا هذا. نقارن بين الماضى بكل شموخ وعظمة الأسد وكل جبروت وصمود عقل الإنسان المركب فوق جسم الأسد وبين الحاضر بكل الصراعات المشتعلة فيه وبكل مظاهر انحلال وضعف الإنسان وهى الغالبة.

•  •  •

كنت طفلا ومراهقا يقضى عدة ساعات من وقته ووقت أصدقائه أو أفراد عائلته خلال عطلة نهاية الأسبوع فى حدائق قصر النيل أو الجزيرة كما يحلو للبعض تسميتها. كنا، سواء جئنا من الشرق أو من الغرب، نقف مشدوهين ومعجبين ومدققين فى تماثيل الأسود الراقدة تحرس الجسر الأجمل والأقرب إلى قلوبنا أطفالا كنا أم شبانا وشابات أم كبارا فى العمر والمكانة ومخزون الذكريات. تقدمت فى العمر فشاءت ظروف سكنى وعملى أن أمر على الأسود مرتين على الأقل كل يوم. كانت على الطريق أيضا تماثيل لشخصيات سياسية. لا أظن أننى توقفت يوما أمام تمثال لشخصية سياسية كما توقفت أمام تماثيل الأسود.

حاولنا فى مدارس الطفولة رسم الأسود مع الجسر استجابة لرغبة مدرس الرسم أن نرسم له تفاصيل رحلتنا خلال العطلة. أذكر جيدا نصيحة هذا المدرس فى مدرسة عابدين الابتدائية وكانت بصفة شخصية وقد أدلى بها خارج الفصل حتى لا يسمعنا بقية التلاميذ، قال ما معناه «أطمئنك يا ابنى أنك لن تكون رساما فى المستقبل، ورجاء لا تحاول حتى إن نسيت وعدت أطلب منك رسما أو آخر». رحم الله كمال الشناوى الذى عرفه أغلب الناس ممثلا سينمائيا وعرفته أنا رساما موهوبا.

•  •  •

بعض علماء الآثار اقترحوا إطلاق صفة أو شرف معجزة العالم الثامنة على أكبر مقبرة لتماثيل فى التاريخ، إنها المقبرة التى تضم أكثر من 2200 تمثال لجنود وهم وقوف وبكامل أسلحتهم، وفى الظن أن الجزء الأكبر من هذه المقبرة لم يكتشف بعد ويحوى أكثر من 6 آلاف تمثال.  أن تقرأ عن هذا الاكتشاف الرائع ليس كما تراه. فالمنظر حقا مهيب. أول إمبراطور للصين قرر أن تشتغل كل الورش الصينية لصنع هذا الجيش وتزويده بأسلحة حقيقية بلغ عددها 40 ألف قطعة سلاح ودفنها مع مقبرة الجيش ليتحمل عند بعثه مسئولية حماية الإمبراطور فى الحياة الثانية. الفكرة نفسها هيمنت على ثقافة الموت والحياة فى مصر الفرعونية وفى ذات الزمن تقريبا. عبقرية المخططين لهذا الجيش لا تتوقف عند العدد وروعة التنظيم والنظام بل تتجاوزها عند مشاهدة الاختلاف فى الزى والرتب والمكانة للجنود والضباط. رائعة أيضا رؤية الفرقة العسكرية الموسيقية المستعدة مع آلاتها الموسيقية لمرافقة الامبراطور عند بعثه وتوليه قيادة هذه الجيوش الجرارة. الفراعنة المصريون اهتموا بالطعام والملبس والخدمات الشخصية لتكون جاهزة معهم عند بعثهم بينما اهتم إمبراطور الصين بحمايته هو وجيوش الإمبراطورية عند بعثهما.

•  •  •

تأثرت دائما، ولست وحدي، برمسيس الثانى حاكما لمصر ولكل المناطق المحيطة بها وبخاصة الواقع منها شرق البلاد، وقائدا عسكريا، ومفاوضا سياسيا، ووالدا لعشرات الأبناء والبنات وزوجا لأكثر من مائتى زوجة. يذكر عن حياته الخاصة أن واحدة معينة من زوجاته كانت الأفضل والأقرب إلى قلبه وعقله. كان رجلا بسمات وصفات وتصرفات الآلهة حسب مفاهيم زمنه. نراه فى وقفته الشامخة وفى احتضانه زوجته وفتوحاته واستراتيجياته فى الهجوم والدفاع والردع نموذجا يقاس به أباطرة وفراعنة وقادة العالم القديم ودرسا لمن أتى بعدهم.

•  •  •

من المعابد الأثرية الهامة فى الهند التى خلفت آثارا متنوعة فى نفوس من رآها معبد "كاجوراو" حتى إن الدولة راحت بين الحين والآخر تصدر تعليمات بحظر دخول السياح والزوار ثم تعيد فتحه لخصوصيته وشهرته وباعتباره مصدرا هاما للدخل. تنبع الخصوصية من أن المعبد يحتوى على تماثيل بالعشرات تكاد تكون حية تحتفى دينيا بعاطفة الحب وجميع ممارساتها الحسية والجنسية. لن أشرح ما رأيت فبالتأكيد سوف أعجز إن حاولت ومهما فعلت، ولكنى أترك المهمة لقصيدة لشاعر سورى ذائع الصيت عاش فى الهند وزار المعبد مرات عديدة، إليكم أبيات منها يتحاكى الشاعر بها مع المعبد فيقول:

    كاجوراو! هل من حرمة     لك عند رائيها، تصان

    كم زائر أدمى فؤادك       ما أسر وما أبان        

    أخفى الرضا  وتظاهرت     بالسخط عيناه اللتان

    تتحريان وتنهلان            وتسكران وتحلمان

    مزقت أقنعة الحياة             وما عليها من دهان

     وجلوتها فى عريها             فترفعت بعد امتهان

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تماثيل خلفت أثرا في حياتي تماثيل خلفت أثرا في حياتي



GMT 06:54 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

لبنان فضاء الحياة والإبداع لا الحروب

GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 11:15 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt