توقيت القاهرة المحلي 13:00:19 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رؤساء عمل تعلمت منهم

  مصر اليوم -

رؤساء عمل تعلمت منهم

بقلم: جميل مطر

بحكم تنقلى بين عديد الوظائف والمهام تعدد من ساقنى الحظ للعمل تحت رئاستهم. منهم الصالح ومنهم الطالح ومنهم جميعا استفدت. قليل من خلف جروحا لم تندمل، ولعله من حسن حظى، وحظوظ مرءوسين عملوا معى من بعدهم، أنها لم تندمل. أعترف هنا، وربما للمرة الأولى، أننى بذلت من الجهد والمثابرة ما يكفى لمنعى من أن أقع ذات يوم فى نفس الخطأ أو أرتكب نفس الجرم. أعترف أيضا، وبالتأكيد ليس للمرة الأولى، أننى مدين بكل حسنة التزمتها ونصر حققته لوالد قام بواجبه وأساتذة فى الجامعة اهتموا بإرشادى ورؤساء عمل أخلصوا فى عملهم خلقا وعلما وكفاءة ووطنية فكانوا نعم النموذج والمثال.

كنت فى الثامنة عشرة كثير التردد على مكتبة مركز الاستعلامات الأمريكى فى حى جاردن سيتى. هناك أقمت علاقات طيبة مع العاملين المصريين وكلهم من الخبراء فى علم المكتبات وتعرفت على المدير الأمريكى للمكتبة خلال واحدة من جولاته التفتيشية على أفرعها. تحدث فعلمت أنى أثرت فضوله واستحسانه بما أقرأ وكيف أقرأ وبما أختار من أشرطة الموسيقى وبالعلاقات التى أقمتها مع العاملين بالمكتبة فى مختلف التخصصات ومن مختلف الأعمار. تحدث إلى أن وصل إلى غايته وهى عرض بالعمل بعض الوقت بالمكتبة مسئولا تحت إشرافه المباشر عن قسم الحيازات، وهو القسم المسئول عن اختيار وشراء الكتب والدوريات الجديدة على ضوء الميزانية المتاحة.

• • •

تمنيت، وأنا فى الثامنة عشرة، أن أتعامل مع المرءوسين عندما أتقدم سنا ومرتبة بـنفس أسلوب المستر (ل) فى التعامل معى وزملائى فى العمل. تعلمت كيف وضرورة أن أبتعد بالسياسة الداخلية عن أجواء العمل، رأيته حريصًا على الاهتمام بمشكلاتنا الشخصية إذا نحن سمحنا له بذلك. راقبت سلوكه فى حضرة رئيسه فى العمل، أقصد السفير الأمريكى، أذهلنى أنهما يتنادين بالاسم الأول لكل منهما، وهو ما استبعدت إمكان حدوثه فى ظل ثقافتنا المحافظة. أذهلنى فى الوقت نفسه أن كثيرا ما حلت هذه الصراحة محل الدفء الذى نفتقره فى علاقاتنا بالأجانب. كبيرا أيضا كان اهتمامه بمستقبلى الأكاديمى وحرصه على تنمية آفاق تفكيرى وأحلامى. تعلمت منه أهمية أن ينتقل كرئيس من مكتبه إلى حيث كانت مكاتبنا نحن المرءوسين والاستماع إلى اقتراحاتنا فى شأن تحسين ظروف العمل. لا أتذكره غاضبا ولا كاذبا ولا منافقا. أتذكره دائما صادقا وصديقا. أتذكره مباشرا وواضحا وواثقا. أظن أننى حاولت فى مستقبلى التحلى بصفة أو أخرى من هذه السمات والصفات. أفلحت حينا وأخفقت أحيانا ولكن لم أستسلم لأى إخفاق.

• • •

تغيرت الظروف وتغيرت طبيعة العمل وتغير الرؤساء وتغيرت السمات والصفات. عينت وكلفت لأعمل مع رئيس من بلدى لا يميل بحسه ونشأته وأجواء دراسته وعمله السابق إلى اعتناق سمة أو صفة من هذه السمات والصفات الطيبة. أتوا به إلى هذه الوظيفة وهذا المكان تحت انبهار عابر وّذهبوا بى إليه عساى أتعلم. تعلمت شاكرا ألا أكون يوما فى العمل مثل هذا الرئيس، وألا أكون فى شكله ولا فى طباعه ولا فى أخلاقه. تعلمت الشىء الأهم، تعلمت أن أقول لرئيسى إنه على خطأ، وإننى وأنا أصغر مرءوسيه وأحدثهم فى المكان، لن أسير معه على طريق الخطأ.

الرئيس التالى فى حياتى الدبلوماسية كان مختلفًا عن سابقه فى كل السمات والصفات وأقرب فيها إلى أول رئيس فى حياتى العملية. لم يكن له باع فى الدبلوماسية ولكن علمته تجربته وتربيته الجرأة والقدرة على المواجهة وقول ما اعتقد أنه الحق وإن على خطأ وعدم إدراك كافٍ لطبيعة هذا العمل الذى ارتضاه لنفسه أو فرضته الظروف. كان أمينا فى نقل الرسالة مرفق بها رأيه داعيا رؤساءه فى القاهرة لرفضها أو قبولها والبناء عليها. كانت مصر كلها فى أوج الاستعداد لبناء سد عالى فصرنا ونحن فى آخر العالم خبراء ومهندسين وحمالى أسمنت وعملاء نتقصى تفاصيل الأسطورة الصينية فى بناء السدود بأقل تكلفة لننقلها لمصر.

• • •

عملت مع آخر وفى مهنة أخرى. معه وفيها اقتربت جدا إلى قلب بلدى وقلوب أخرى. تعلمت منه أن «المعلومة» سلاح وثروة وأن التعامل معها فن من أرقى الفنون، وأن تجميع مفرداتها وتحليلها علم واسع، وأن العيش فيها وعليها مهنة هى بين أقدم المهن. تعلمت الكتابة لقارئ غير متخصص، وغير ملم أو مهتم بدقائق السياسة أو الاقتصاد أو القانون. تعلمت أننى لو شئت إقناع متخصص أو متبحر فليكن عبر كتابة مختلفة وهى ليست مسئوليتى المباشرة على كل حال. تعلمت أهمية أن أحاول قبل أن أمسك بالقلم أن "أحيّد" غضبي، وأحاول بعد الكتابة وقبل النشر أن أدفع به إلى زملاء، هم أيضا مرؤوسون، أثق بنضج تفكيرهم وعمق خلفياتهم وتنوع مذاهبهم الفكرية. تعلمت جديدا فى أصول التعامل مع رؤساء الدول. تعلمت أن الرئيس، أى رئيس، لا بد وأنه سوف يحترم الضيف الذى يمتلك أكبر ثروة ممكنة من المعلومات. هو الضيف أو الزائر الذى يستحق تزويده أو تكريمه بالمعلومة النادرة أو الغريبة أو المبهرة.

• • •

لم يذهب سدى ما تعلمت. أشعر بالرضا، ففى ظنى وتقديرى أننى استفدت من تنوع رؤسائى وتجاربى عبر مختلف مسيرات حياتى. قضيتها حياة غير مملة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رؤساء عمل تعلمت منهم رؤساء عمل تعلمت منهم



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt