توقيت القاهرة المحلي 13:37:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

روسيا فى الشرق الأوسط: ابتكار فى الأدوار

  مصر اليوم -

روسيا فى الشرق الأوسط ابتكار فى الأدوار

بقلم : جميل مطر

صديقى المطلع على كثير من خفايا العلاقات الدولية فى الشرق الأوسط ما فتئ يعرب عن صعوبة فى فهم الحال الراهنة للعلاقات بين مصر وروسيا. يتساءل عن السبب أو الأسباب وراء عدم ارتقاء هذه العلاقات إلى مستوى تستحقه. يغفل هذا الصديق، وكثيرون من الخبراء فى المنطقة، حقيقة أن ما يعتقدونه مستوى تستحقه العلاقات بين الدولتين قد لا يكون بالضرورة المستوى الذى تسعى إليه الدولتان فى اللحظة الراهنة. بعضنا ما زال لا يقدر بالدرجة الكافية حجم وضراوة الأهوال التى تعرضت لها الدولتان خلال فترة امتزجت فيها استراتيجيتهما وتداخل بعض أهم مصالحهما ومارستا معا أدوار الريادة فى المنطقة.
***
كثيرون، وأنا أحدهم، ما يزالون يفكرون متأثرين بسياقات ربما اختفت. أضرب مثلا أن هناك صروحا لعبت أدوارا مهمة فى صنع وتطوير كثير من علاقات العرب الدولية، بل كانت فى كثير من العهود تفرض نفسها سياقا تلتزمه الدول العربية وتحسب له حسابا دول كبرى ودول إقليمية. كانت جامعة الدول العربية أحد هذه الصروح وكانت فى بعض الأحيان سياقا تلتزمه الدول أو تراعيه. اليوم، بل ومنذ زمن غير قصير، نرى الصرح ولا نرى أو نلمس سياقا يدعونا لالتزام من أى نوع. الصرح قائم والمضمون، أيا كان، غائب. لا نلوم على هذا الغياب أمينا عاما بعينه أو توازنا إقليميا استجد فالأمر أخطر وأعمق. أنا وغيرى غير قليلين يجب أن نتخلص من تأثير القصة الذهبية، قصة أول أمين عام للجامعة حاول أن يفرض الجامعة سياقا والتزاما وقيادة لحكومات الدول الأعضاء قبل أن تتكاتف وتزيحه. أرادت هذه الحكومات تثبيت استقلالية قرارها السيد والمكتسب منذ قليل. لا أبالغ وأنا أقول إن الحساسية الشديدة التى تتعامل بها الحكومات العربية الآن مع كل ما يمكن أن يصدر عن الجامعة ماسا باستقلالية قرارها «السيد» عادت إلى حالتها البدائية التى كانت عليها وقت النشأة فى الأربعينيات من القرن الماضى. وقتها خرج إلى الحياة ميثاق الجامعة العربية الذى وضع ليحمى الصرح ويجمد المضمون ويردع الطموح. 
***
يخطر ببال بعض المحللين وبخاصة المتمسكين منهم بالصروح أن هيكل العلاقات المصرية الروسية الذى عرفناه وعشنا فى سياقه ردحا من الزمن ما يزال فاعلا أو مؤثرا فى عمليات صنع السياسة الخارجية فى كل من موسكو والقاهرة. أظن أنه ما يزال فاعلا بدليل حرص الطرفين على عدم تكراره وليس بمعنى الرغبة فى تطوير علاقة استراتيجية متكاملة الأركان. مصر اليوم ليست مصر الخمسينيات والستينيات، وكذلك روسيا. أما المنطقة فحدث عن التغيير الذى لمس جميع نواحيها ولا تتوقف. مصر كانت تمارس السياسة الخارجية من موقع دولة قائدة تحالفات وصانعة توازنات فصارت تظهر كدولة تقنع بنظرة احترام تليق بماضى نفوذها فى الإقليم. تظهر أيضا بمظهر الدولة القادرة ولكن الملتزمة سياسة النأى بالنفس بقدر ما تسمح به الظروف وبدون أن تتهم بالانعزالية. مصر تؤكد بأفعالها أنها صارت غير معنية بشدة أو بحماسة بقضايا ومشكلات خارجية لا تمس مباشرة أمن مناطق الحدود المصرية. بمعنى آخر لا قضايا «قومية» تتصدر بالضرورة جدول أعمال الدبلوماسية المصرية. الواقعية تهيمن مع الميل أحيانا إلى ممارسة واقعية مفرطة. 
روسيا أيضا تغيرت صروحا ومضمونا. روسيا تعود إلى الشرق الأوسط لا تحمل أى رسالة. ليست روسيا التى عهدناها حاملة أكثر من رسالة منها الاشتراكية. اختارت أن تدخل إلى الإقليم أول مرة من باب صغير فى سوريا. ثم ألقت بكل ثقلها على مصر ليست كبوابة تدخل منها ولكن كمركز تستقر فيه وتدير منه معارك حربها الباردة مع القطب الأمريكى. كانت تحالفات مصر الإقليمية، عربية وإفريقية وآسيوية، رصيدا سياسيا مهما تنهل منه مصر وحلفاؤها ومنهم روسيا. 
روسيا عادت إلى الشرق الأوسط وفى نيتها أن تحل محل أمريكا المنحدرة نفوذا وقوة. فى نيتها أيضا أن تسبق وصول الصين إلى الشرق الأوسط حتى يترتب لها مصالح ونفوذ وحقوق تساوم بها العملاق الزاحف من طريقين، طريق الحرير وطريق الحزام. استعدت روسيا لتكلفة بشرية ومادية كبيرة تحملتها منذ دخولها إلى سوريا كطرف مؤثر وفاعل وليس كحليف مؤقت وصديق مؤازر كما كان الحال مع مصر. ساعدتها مصر دون أن تعرف. مصر كانت منذ بداية الحرب فى سوريا الدولة العربية التى اختارت بالوضوح اللازم والممكن تمسكها بوحدة الجيش السورى باعتباره الضامن الوحيد لاستمرار سوريا دولة موحدة. بكلمات أخرى كانت روسيا هذه المرة فى مأمن من حملة سياسية وأيديولوجية تشنها مصر ضد الوجود الروسى فى الإقليم كما فعلت من قبل فى العهدين الناصرى والساداتى فى حالتى سوريا والصومال على التوالى. مصر هذه المرة لا تقود أيديولوجيا ولا تتحمل بمفردها مسئولية قومية أو إقليمية. مصر لا تملك نظريا أو موضوعيا حق الاعتراض فى الإقليم ولا القدرة على تنفيذه لو أتيح لها امتلاك هذا الحق. 
***
تبقى مصر، بالنسبة لروسيا، سوقا لمصالح روسية مهمة فى الحال والمستقبل القريب. مصر مستورد ومستهلك ممتاز للسلاح الروسى وبخاصة الأنواع المحرمة على مصر فى الدول الغربية. مصر زبون نموذجى للمعامل النووية التى تنتجها روسيا وتنافس بها الولايات المتحدة والصين. لا أحد يستبعد إقبالا غير محدود من جانب عدد متزايد من دول الشرق الأوسط، عربية وغير عربية، على التزود بمفاعلات نووية لكافة الأغراض. من ناحية أخرى تبقى مصر مصدرا خصبا للمعلومات عن الأنشطة الإرهابية وبخاصة مواقع تمويلها، وستبقى موقعا استراتيجيا مهما ومركزا لتحالفات بين الدول المنتجة للغاز فى شرق المتوسط. 
لن تخرج روسيا من سوريا فى القريب العاجل ولن تتوقف الأسئلة حول مستقبل الشرق الأوسط فى ظل الرعاية الروسية. هل يستمر طويلا وجود القوات الإيرانية فى حماية الوجود الروسى وأى شكل ستتخذه هذه القوات؟ لا يوجد أدنى شك فى أن الروس يستحسنون استمرار وجود الإيرانيين فى كل من العراق وسوريا بشرط الالتزام بالخط الأمنى الروسى. الخط لا بد أن يراعى ضمان سلامة إسرائيل، فى وقت يتعاظم الشك الإسرائيلى فى جدوى الاعتماد المطلق على «الغرب» يزداد ضعفا وانفراطا، وتتكاثر فيه حملات النقد للسياسات الإسرائيلية. 
عندما نتحدث عن سوريا «تحت الاحتلال» أو تحت الوجود الروسى طويل الأجل فنحن نتحدث فى الحقيقة عن أمة عربية غائبة، وفى أحسن الأحوال عن مشروع عربى مؤجل، وفى كل الأحوال نحن نتحدث عن جزء معطل فى العقيدة الاستراتيجية المصرية.
الاقتباس
مصر تؤكد بأفعالها أنها صارت غير معنية بشدة أو بحماسة بقضايا ومشكلات خارجية لا تمس مباشرة أمن مناطق الحدود المصرية. بمعنى آخر لا قضايا «قومية» تتصدر بالضرورة جدول أعمال الدبلوماسية المصرية. الواقعية تهيمن مع الميل أحيانا إلى ممارسة واقعية مفرطة.

نقلًا عن الشروق القاهرية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

روسيا فى الشرق الأوسط ابتكار فى الأدوار روسيا فى الشرق الأوسط ابتكار فى الأدوار



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt