توقيت القاهرة المحلي 15:47:15 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحملة على فنزويلا: أداء هزيل

  مصر اليوم -

الحملة على فنزويلا أداء هزيل

بقلم : جميل مطر

للسياسة فى أمريكا اللاتينية مذاق مختلف عن مذاقها فى إفريقيا أو مذاقها فى آسيا وكذلك الكتابة عن السياسة فى أمريكا اللاتينية وربما الكتابة عن كل شىء آخر فيها. مرة أخرى أجد نفسى مدعوا للكتابة عن حدث فى القارة يتطور ويهدد سكونا نسبيا واستقرارا عابرا، مرة أخرى أجد نفسى مستعدا لتأجيل ما بين يداى من مشاغل لألبى الدعوة. الحدث هذه المرة بالفعل يهدد سكونا نسبيا فى أنحاء القارة أعقب تطورا مفاجئا فى العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا. وقعت تطورات عديدة فى مواقع متفرقة من القارة ولكن لم يكن لأحدها أن يترك الأثر الذى يمكن أن يحدثه تطور الأحداث الراهنة فى فنزويلا. 
معنى كلامى أننى أتوقع تدهورا فى الموقف بشكل عام. دفعنى إلى تكوين هذا الرأى ولا أقول اعتناقه أو بالأحرى التمسك به عناصر الصورة التى تشكلت عندى عن شبكة علاقات القوة الراهنة فى واشنطن. دفعنى أيضا إدراكى المتزايد لأهمية وخطورة صعود قوى يمين جديد فى كثير من أنحاء القارة بينما تزداد سرعة انحدار اليسار المنظم فى كل مكان. دفعنى ثالثا اقتناعى المتزايد بأن الوضع الدولى الراهن يمكن أن يساعد عناصر متهورة، أو يائسة، فى القارة وخارجها على اتخاذ سبيل العنف وليس التهدئة.
***
تذكرنى أحوال واشنطن، وبخاصة فى مجال صنع السياسة الخارجية بما قرأت عن مرحلة وصول دوايت أيزنهاور إلى منصب الرئاسة. جاء أيزنهاور إلى الرئاسة عن غير طريق الحزب الجمهورى بل ومن خارج الطبقة السياسية الحاكمة برمتها. عرف أنه سوف يلاقى صعوبات فى توجيه دفة السياسة الخارجية خاصة وأنه لم يكن وهو فى منصبه العسكرى وكقائد للحلف الأطلسى راضيا تماما عن بعض سياسات الرئيس هارى ترومان وبخاصة دخوله الحرب الكورية. إلا أنه وخشية اتهامه بقلة الخبرة ما إن تولى الرئاسة حتى شكل ثلاث فرق من المخططين والدبلوماسيين إحداها يضم جورج كينان وظيفته وقف تدهور مكانة أمريكا فى الحلف الغربى والتعامل مع القوى الجديدة الصاعدة فى عالم السياسة الدولية مثل الدول حديثة الاستقلال، الفريق الثانى ويهتم بدعم القوة النووية الأمريكية كرادع قوى للتوسع السوفييتى. أما الفريق الثالث فوظيفته التخطيط لإسقاط حكومات دول خاضعة لروسيا والعمل على تغيير نظام الحكم فى الصين والضغط على حلفاء أمريكا للمساهمة فى تكاليف الحلف الغربى. تعمل الفرق الثلاث مجتمعة بصفة يومية لتقديم المشورة لرئيس الدولة. هكذا اطمأن الرئيس أيزنهاور إلى أنه لن يكون خاضعا لتيار معين فى أخذ المشورة ومتفاديا اتهامه بأنه لا يحترم آراء الخبراء والدبلوماسيين ذوى الخبرة والتجربة. هكذا أيضا لم يسجل على عهد أيزنهاور أنه نفذ سياسات خارجية متناقضة وهو أحد الاتهامات التى توجه حاليا للرئيس دونالد ترامب. فالرئيس الحالى على عكس أيزنهاور تصرف بغرور فائق مع معظم قضايا السياسة الخارجية واستخدم مستشارين لم يشهد التاريخ لأكثرهم بالتميز أو الأمانة فى حقل السياسة الخارجية. 
***
تدل المواقف والسياسات الأمريكية المتخذة فى الآونة الأخيرة ضد فنزويلا على أن الرئيس ترامب لم يهتم بالمسألة الفنزويلية قدر اهتمامه بقضايا أخرى مثل البريكست ومؤتمرات المناخ وانتخابات فرنسا الرئاسية ودعم مرشحى التيار الشعبوى فى دول أوروبا وتأييد من يطلق عليهم الرجال الأقوياء فى دول العالم النامى. صحيح أنه مثل معظم رؤساء أمريكا الذين لا يلتفتون إلى جوارهم إلا متأخرين فضلا عن أنه ليس من صفاته الاهتمام بقضايا مثل عجز الديمقراطية وانتشار الفساد. لم يؤنب حاكما على سلوك أو سياسات تنم عن نوايا تسلط أو ميول للعنف والقمع ولم يتخذ إجراء واحدا ضد المخالفين للخط الديمقراطى أسوة بما كان يفعله الرئيس باراك أوباما. لم نسمع من قبل ترامب مدافعا عن الفقراء أو منتقدا فجوة اللامساواة فى الدخول.
فجأة وجدنا إدارة الرئيس ترامب تتخذ مواقف تجاه حكومة مادورو فى كراكاس. بدت هذه المواقف والسياسات الناجمة عنها كما لو أن لا علاقة للرئيس ترامب بها. بدت لى على الأقل مواقف وسياسات «لا ترامبوية»، أى لم تصدر عن الرئيس ترامب. أو فلنقل إنها صدرت عن مستوى فى حكومة ترامب أقل من المستوى الذى تعودنا عليه منذ وصول ترامب إلى الحكم. أما ترامب نفسه ففى ظنى أنه أحيط علما فى مرحلة متأخرة. بمعنى آخر أعتقد أن ترامب الذى كانت تغريدته أول إشارة عن موقف أمريكى فى قضية سياسية وأول تكليف للدبلوماسية أو غيرها من أجهزة الدولة لتتحرك وتنفذ، لم يتدخل بأسلوبه المعتاد فى هذه القضية. 
***
إذا لم يكن الرئيس ترامب وراء قرار التدخل فى فنزويلا وأن تكون فنزويلا قضية فى السياسة الخارجية الأمريكية، فمن كان؟ المرشحون كثيرون. منهم أفراد ومنهم مؤسسات ومنهم مذاهب دينية. أخص بالذكر، جون بولتون، أسوأ شخصية فى بلاط الرئيس ترامب. أذكر أنه يوم عين طلبت من أصدقاء فى عديد من الدبلوماسيات العربية أن يحتاط الشباب فإبليس المتخفى تحت اسم جون بولتون استلم حافظة الأمن القومى فى البيت الأبيض. لا أحترمه فليس فى سلوكه وأفكاره وتاريخه ما يستحق الاحترام. هو العضو الأشد وحشية فى مجموعة ارتكبت أشنع جريمة حرب حين خططت لشن حرب لتدمير العراق. نفذت الخطة وأذلت العراق. المجموعة لم تجد من يحاكمها دوليا لأن الرجال الذين توالوا على حكم بغداد يرفضون فتح ملف جرائم الحرب التى ارتكبها الجيش الأمريكى وأجهزة المخابرات والمرتزقة فى العراق. جون بولتون متهم بالعنصرية وكره العرب والفلسطينيين بخاصة والمسلمين والسود على وجه العموم والمهاجرين من أمريكا اللاتينية. كان هو الذى ألمح قبل يومين إلى أن الجيش الكولومبى قد يتدخل فى فنزويلا لدعم الرئيس الذى عينته الولايات المتحدة ولكن بحجة وقف غزو المهاجرين من فنزويلا. هو أيضا من يدعو الآن لعقد اتفاقية دولية تجدد وتحدث قاعدة مبدأ مونرو، تاريخه شاهد عليه.
كان هناك أيضا مايك بنس وأليوت أبرامز ومارك روبيو. قام بنس وهو نائب للرئيس بدور رئيس فى إطلاق الحملة ضد فنزويلا. ولا يحتاج المراقب من الخارج لتفكير طويل ليقرب أن وراء الحملة مصالح مذهبية تتعلق بنشر المذهب البروتستانتى فى قارة أمريكا اللاتينية. نائب الرئيس مستعد للذهاب إلى بعيد جدا ليضمن استمرار ولاء الجماعة الإنجيلية للرئيس ترامب. من ناحية أخرى ما كان يمكن أن يقوم نائب الرئيس والمستشارون بخطوة فى هذا الاتجاه يسبقون بها الرئيس إلا إذا كانت أجهزة الاستخبارات تبارك هذا الجهد فى موقع لها فيه خبرة وتخصص بل وجيوش. 
***
القارة منقسمة والعالم الخارجى أيضا. بوليفيا والمكسيك وأوروجواى وكوبا، أى رموز اليسار فى أمريكا اللاتينية تقف ضد الحملة وإن عبرت فى مناسبات سابقة عن اعتراضها على أسلوب الرئيس مادورو فى إدارة الحكم والاقتصاد. مع ذلك لا أحد ينكر أن الحصار الاقتصادى الذى فرضته أمريكا على فنزويلا سابق بكثير على الأزمة الحالية. كان معلوما وما يزال أن الدعم الفنزويلى لكوبا وبوليفيا شجع تيارات يسارية على الصمود فى وجه الهجمة اليمينية على القارة. على الجانب الآخر تقف أهم دول فى أمريكا اللاتينية باستثناء المكسيك ضد حكومة مادورو وهى شيلى والارجنتين والبرازيل وكولومبيا. ولا يخفى دور كندا فى هذا الصدد. 
فى الخارج وقفت دول عديدة فى الاتحاد الأوروبى تؤيد الموقف الأمريكى بينما وقفت الصين وروسيا وتركيا وإيران مع مادورو. هذا الانقسام فى المواقف الدولية بالإضافة إلى الانقسام داخل أمريكا اللاتنية يمكن أن يزيد الأمر تعقيدا إذا ما قررت الولايات المتحدة دفع قوات من المرتزقة أو من كولومبيا والبرازيل للتدخل لحماية الرئيس الجديد. قيل إن السلاح موجود بوفرة وأن الطرفين شكلا بالفعل ميليشيات مسلحة وبالتالى الفرصة متاحة ومثالية لحرب أهلية يمكن ببعض التدخلات من الخارج أن تتحول إلى حرب إقليمية.
***
مرة أخرى فى عهد ترامب ينكشف ضعف الولايات المتحدة. مرة أخرى نسأل إلى متى يتحمل النظام الدولى تكلفة حال الارتباك الذى يهيمن على البيت الأبيض وعلى الأداء الأمريكى بصفة عامة فى حقل السياسة الخارجية.

 

نقلًا عن الشروق القاهرية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحملة على فنزويلا أداء هزيل الحملة على فنزويلا أداء هزيل



GMT 08:51 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

أين نحن من المفاوضات الدولية مع إيران؟

GMT 08:50 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

المعرفة التي قتلت لقمان سليم

GMT 08:46 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

لقمان سليم وتوحش النظام الإيراني

GMT 08:44 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

4 مليارات ثمن 12 بيضة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:37 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
  مصر اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt