بقلم:أمينة خيري
أقابل الكثير من الشباب ممن يقولون إن مستقبلهم فى السفر. أحمد الكهربائى الشاب القادم من أسيوط إلى القاهرة، رغم نجاحه فى تكوين قاعدة كبيرة من الزبائن، بسبب شطارته وأمانته وأدبه، يقول إنها مجرد فترة مؤقتة إلى أن يتمكن من السفر.
شيماء الأم الشابة التى تزوجت وهى طفلة لم يتعد عمرها الـ١٣ عاماً، همُّها الأوحد جمع الأموال اللازمة قيمة «رسوم» سفر ابنها (١٧ عاماً) لينتشلها وإخوته الأربعة من الفقر بعد ما تركهم الأب وتزوج بأخرى. الابن بالطبع يقرأ ويكتب بالكاد بعد ما ترك المدرسة فى المرحلة الابتدائية ليعمل لمساعدة الأسرة.
محمد السائق الشاب الذى يحمل شهادة متوسطة، ويعمل لدى أسرة توفر له مكان مبيت وثلاث وجبات ومعاملة جيدة وراتبا يفوق راتب موظف «أد الدنيا» يؤكد هو الآخر أنه يسعى للسفر لأن طموحه أكثر من ذلك بكثير.
حسام عامل الدليفرى فى سوبر ماركت والذى يجمع بين العمل ودراسة الحقوق يرى أن مستقبله لا فى «شغلانة الدليفرى» ولا فى دراسة الحقوق.. ولكن فى السفر.
القصص لا تنتهى، وعبارة السفر لا تتوقف. اللافت أنه بسؤال أى منهم عن خطة السفر، أو وجهته، أو إجراءات إتمام الخطة إن وجدت، تجد أن المسألة برمتها لا تتعدى مجرد عبارة! فلا الوجهة معروفة، ولا الخطة موضوعة، ولا الهدف المرجو معلوم.
المعلوم أن هناك شعورا عاما بالمعاناة. وهذا مفهوم ومبرر. هؤلاء وغيرهم من ملايين الشباب يجدون فجوة كبيرة بين أحلامهم وصورة الحياة المُثلى التى يطمحون إليها، وتغذيها عوامل عدة من دراما، وسوشيال ميديا، ومقارنات مع الطبقات الأعلى وغيرها. فى المقابل، الظروف التى ولدوا فيها وأعباء الأسرة من عدد أشقاء كبير، أو ضيق ذات يد الأهل، أو حرمان من التعليم، أو كل ما سبق تعرقل العمل من أجل تحقيق الأحلام. ويضاف إلى هذه التوليفة أن أحلام هؤلاء الشباب نادراً ما تقترب أو تشتبك مع مجالات العلم. بمعنى آخر، الحلم يتلخص فى حياة رفاهية وثراء وبيت ملك وسيارة... إلخ. وعادة تكون الوسيلة المثلى لتحقيق ذلك «بيزنس» ما، غالباً يتمثل فى السمسرة: بيع شقق، سيارات مستعملة، مقاولات بمعنى تشغيل عمال البناء وسباكة وكهرباء وغيرهم وكأنها شركة، ولكن بدون أوراق رسمية أو مقر. أما الأحلام المتعلقة باكتشاف علاج للسرطان، أو شريحة تساعد المرضى أو أصحاب القدرات الخاصة على الاعتماد على أنفسهم، أو مواجهة الإدمان بالوقاية ومنع الدوافع والأسباب وغيرها، فتقريباً غير موجودة.
هذه ليست اتهامات.. هى رَصد لما ألاحظ، وأضيف إلى ذلك أنك لو سألت أغلب هؤلاء الشباب عن مدى حاجة أو رغبة أو استعداد الدول التى يفكرون فى السفر إليها لاستقبالهم، ونوع العمل الذى سيعملون به، وشكل الحياة التى سيعيشونها، وبالطبع الظروف السياسية والاقتصادية فى هذه الدول اليوم، لا من نصف قرن.. فالإجابات إما معلومات خاطئة، أو تأكيدات على أن هذه الدول تتحرق شوقاً لاستقبالهم.. ولحديث السفر بقية.