بقلم : عبد اللطيف المناوي
فى كل مرة تتعثر فيها أزمات الشرق الأوسط، يعود اسم كوبا إلى الواجهة فى الخطاب الأمريكى، وكأن الجزيرة الصغيرة الواقعة على بعد تسعين ميلاً فقط من السواحل الأمريكية لا تزال تمثل «العقدة النفسية» الأقدم فى السياسة الخارجية لواشنطن. لكن التصعيد الأخير من جانب دونالد ترامب تجاه هافانا يطرح سؤالًا أكبر، هل نحن أمام مجرد ضغط سياسى واقتصادى جديد، أم أن كوبا ستكون ساحة مواجهة قادمة؟
ترامب رفع مستوى التصعيد بصورة غير مسبوقة خلال الأشهر الأخيرة. عقوبات جديدة، حصار فعلى على إمدادات النفط، تهديدات مبطنة بالتدخل، وحديث عن «تغيير النظام». وتحدثت تقارير أمريكية عن مخاوف من تنامى التعاون العسكرى بين كوبا مع الصين وإيران، ومزاعم تتعلق بطائرات مسيّرة وقدرات هجومية محتملة قرب القاعدة الأمريكية فى جوانتانامو.
خلف هذا التصعيد توجد عدة طبقات أعمق من مجرد العداء التقليدى بين واشنطن وهافانا.
أولها هو البعد الجيوسياسى. فترامب ينظر إلى أمريكا اللاتينية بعقلية «استعادة المجال الحيوى الأمريكى»، أى منع أى نفوذ روسى أو صينى أو إيرانى متزايد فى ما تعتبره واشنطن فضاءها الاستراتيجى التقليدى. وكوبا، بحكم موقعها وعلاقاتها السياسية، تمثل بالنسبة له رمزًا لهذا التحدى. ولهذا جاءت العقوبات والحصار النفطى فى إطار أوسع يشمل إعادة رسم ميزان القوى فى نصف الكرة الغربى.
العامل الثانى داخلى أمريكى. فسياسة التشدد تجاه كوبا تحظى بدعم قوى داخل قطاعات مؤثرة من الجالية الكوبية فى فلوريدا، وهى ولاية محورية انتخابيًا. كما أن شخصيات نافذة داخل إدارة ترامب، وعلى رأسها وزير الخارجية ماركو روبيو، تنتمى إلى التيار الأكثر تشددًا تجاه النظام الكوبى. لكن هل يعنى ذلك أن الحرب قادمة فعلًا؟
الأرجح أن واشنطن لا تريد غزوًا مباشرًا لكوبا، لأن كلفته السياسية والعسكرية والإنسانية ستكون هائلة، ولأن أى تدخل أمريكى فى الجزيرة سيعيد إلى الواجهة ذاكرة تاريخية شديدة الحساسية فى أمريكا اللاتينية. كما أن الصين وروسيا لن تنظرا بسهولة إلى سقوط كوبا تحت سيطرة أمريكية كاملة، خاصة فى لحظة يتزايد فيها التنافس العالمى. ولهذا يبدو أن الهدف الحقيقى لترامب هو «خنق النظام» اقتصاديًا وسياسيًا ودفعه نحو التغيير التدريجى أو التفاوض بشروط أمريكية. ومع ذلك، تبقى المخاطر قائمة.
فالجزيرة تعيش أزمة اقتصادية خانقة، وانقطاعات كهرباء متكررة، ونقصًا حادًا فى الوقود والغذاء. وكلما اشتد الضغط، ارتفع خطر الانفجار الداخلى أو الهجرة الجماعية أو الاحتكاك العسكرى المحدود. ولهذا حذرت القيادة الكوبية من أن أى تدخل عسكرى أمريكى سيؤدى إلى «حمام دم». السياسة الأمريكية الحالية تجاه كوبا أقرب إلى «استراتيجية ضغط قصوى» منها إلى قرار حرب وشيك. هدفها إخضاع هافانا، لكنها تدرك أن إسقاط النظام بالقوة قد يخلق فوضى أكبر مما تتوقع.
كوبا ليست الهدف البديل عن إيران، بل جزء من صورة أوسع. عالم يعود فيه الصراع على النفوذ والجغرافيا والأيديولوجيا إلى قلب السياسة الدولية من جديد.