بقلم: أمينة خيري
أتصور أن الملايين التى كانت غارقة فى النوم واستيقظت على أصوات ارتطام أو اهتزازات، مدت أياديها إلى هواتفها المحمولة، إما للبحث عن «جروب» العمارة على «واتس آب» أو تدوينات وتغريدات الأصدقاء على «فايسبوك» و«إكس» للتحقق مما يحدث.
وهناك من تلقى على هاتفه إشعاراً يفيد بوقوع زلزال، مع معلومات مفصلة عن قوته، ومركزه، والمدن والدول التى تشعر به، فأعاد نشره على الـ«سوشيال ميديا». ويمكن القول إن هذا النشر الذى رافق الهزة، أو جاء بعدها بثوانٍ معدودة ساهم فى نشر «المعلومة».
وحيث إن مثل هذه الظواهر الطبيعية، وما قد ينجم عنها من كوارث – لا قدر الله- تحتاج أولاً وثانياً وعاشراً وأخيراً إلى «المعلومة»، لا خوابير زلازل أو مفتيى هزات أو متخصصين فى إعادة تدوير المعلومات أو مؤثرين ومؤثرات باحثين وباحثات عن لقطة تدر حفنة من الدولارات يجرى جنيها عبر نشر ترهات وهراءات.. فقد أثبتت التقنيات الرقمية وأدواتها أنها وسيلة بالغة الأهمية للتمكن المعلوماتى والخبرى.
ويبدو أن أحد أهم الأعراض الجانبية الإيجابية للزلزال هو تذكيرنا بأن هذا الأثير الرقمى الذى يصر البعض على تحويله إلى منطقة عشوائية، قانونها الفوضى العارمة، ودستورها التسخين والتوليع من أجل «الريتش» و«الترند» والمكسب، سواء كان شهرة وانتشاراً، أو أموالاً ومكاسب مادية، هو أيضاً أثير متخم بالفوائد، والعبرة بكيفية الاستخدام، مع وجود حد أدنى من الثقافة الرقمية والوعى المعرفى والقدرة على التفرقة بين الكذب والفبركة والتضليل، وبين الحقيقة.
لكن ما هى إلا دقائق التقطنا فيها الأنفاس، حتى بدأ الهبد اللعين، بدءاً بتحليل نوع الزلزال بناء على دراسات كلية التجارة، مروراً بتفسير نزع الاهتزازات بناء على تحويجة القهوة ونوع السيجارة المصاحبة لعملية التفسير، وانتهاء بطرح الاحتمالات الخاصة للهزات الارتدادية، لا بناء على عام الزلازل لا قدر الله، ولكن بناء على مهارات التدوين والتغريد وجذب «الزبائن».
فرق كبير بين مشاركة المشاعر والمخاوف والأمنيات فى أوقات الأزمات، وبين نشر معلومات ونصائح لا علاقة لها بالعلم. وفرق كبير بين الدعاء بالسلامة والنجاة، وبين تحويل الزلزال إلى معول هدم إضافى يتمسح فى الدين.
وهنا أشير إلى أن ما اعتبره البعض مؤامرة كونية ومعرفة مسبقة بوقوع زلزال حيث الهواتف التى أرسلت إنذاراً، هو إنذارات مبكرة تحدث عبر تحويل ملايين الأجهزة إلى شبكة زلزالية جماعية باستخدام أجهزة استشعار للموجات الزلزالية الأولية السريعة، وحيث إن الموجة الأولى تنتقل أبطأ من الثانية المدمرة، ولأن إشارات الإنترنت تنتقل بسرعة الضوء، يمكن لنظام هذه الهواتف أن يرسل إنذارات تسبق حدوث الضرر الأكبر بثوان.
هذا ما فعله العلم. فى هذا الوقت، وفى مكان آخر، كان أحدهم يهبد هذه الهبدة: «عايزين نعمل هاشتاج ضد النسوان الشمال والرقاصات العاريات يمكن يكون الزلزال موعظة من ربنا فى البناطيل الضيقة والملابس العارية. شاركوا فى كل الجروبات لعل ربنا يرضى عنا».