توقيت القاهرة المحلي 07:26:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رقم فى حياتنا !

  مصر اليوم -

رقم فى حياتنا

بقلم : د. عبد المنعم سعيد

اعتاد مركز «بصيرة» لقياس توجهات الرأى العام أن يقدم خدمة يومية لمن يريد على شبكة «الإنترنت» قوامها رقم واحد يستخلصه من مصادر المعلومات المحلية أو الإقليمية أو العالمية ويرسله لمن يهمه الأمر. الرقم الذى يجرى اختياره من قبل المركز وقائده الدكتور ماجد عثمان يكون عاكسا لحقائق كبرى فى حياتنا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية أيضا خاصة فى الفترات الانتخابية. هذا التقليد رغم أنه لا يتجاوز رقما واحدا، إلا أنه يكون بمثابة الضوء المركز الذى يظهر قضية لا يمكن تجاهلها، أو ينبه لخطر لا يصح غض البصر عنه. سيرا على هذا التقليد فإن نهاية شهر مايو المنصرم شهدت فيضانا كبيرا من الأرقام التى وفرتها الحكومة للإعلام المصرى تدور جميعها حول النتائج الإيجابية لبرنامج الإصلاح الاقتصادى من خلال مؤشرات رقمية توضح التقدم الذى حدث فى المؤشرات الكلية للاقتصاد من ناحية (معدل النمو والدين العام والأجور والبطالة وعجز الموازنة .. الخ)، ومن ناحية أخرى حجم العبء الذى كانت ولا تزال الحكومة تتحمله نتيجة الدعم العينى والنقدي، حتى الآن.

ومن بين غابة الأرقام الكثيرة لفت نظرى الأرقام الخاصة بالضرائب والتى أظنها تصلح مدخلا مهما ليس فقط لقضية الإصلاح الاقتصادى فى مصر، وإنما أيضا قضية التنمية كلها. ففى بداية تطبيق البرنامج 2015/2016 بلغ الحجم المحصل من الضرائب 306 مليارات جنيه، ومع تنفيذ البرنامج يقدر أن يصل حجم الضرائب فى 2018/2019 إلى 770 مليار جنيه، أى بزيادة قدرها 151.63% تقريبا. هذه الزيادة، ووفقا للبرنامج الحالي، من المقدر لها أن تصل إلى 1٫4 تريليون جنيه فى عام 2022، أى أنه فى نهاية الفترة الرئاسية الثانية سوف يكون قدر الضرائب ضعف ماهى عليه الآن. هذه الأرقام تعنى اتساعا كبيرا فى القاعدة الاقتصادية للبلاد من ناحية، ومن ناحية أخرى توسعا كبيرا فى حجم أعمال القطاع الخاص فى مصر، فضلا عن زيادة كفاءة التحصيل للجهاز الضريبى فى مصر.

فكما هو معلوم فان حجم الفقر فى مصر، وهو المعفى من الضرائب، يبلغ 30 مليونا تقريبا، كذلك فإن هناك 8000 جنيه تمثل حد الإعفاء لمحدودى الدخل وهو ما يستبعد الغالبية الساحقة من موظفى الحكومة والهيئات والشركات العامة. هنا فإن القدر الذى تحقق، والقدر الذى نسعى إلى تحقيقه سوف يحتاج إلى مناخ أكثر إيجابية بين الحكومة والقطاع الخاص والذى سوف يوفر من الدخل والسلع والخدمات والتفاعلات القابلة لفرض الضريبة بما يكفى لتحقيق هذا الهدف.

توسيع القاعدة الاقتصادية بما يفوق الزيادة السكانية، وأكثر من ذلك يرفع من القدرات التعليمية والصحية والمهارية للسكان، هو فى النهاية الذى يحقق التنمية التى تكفل الموارد للدولة من خلال الضرائب من ناحية، وترفع مستوى معيشة المواطنين من ناحية أخري. مثل ذلك لا يحدث من خلال تخلى القطاع الخاص عن نصف دخله للدولة كما جرى الاقتراح أخيرا، وإنما من خلال استخدام كل دخله، أو الجزء الأعظم منه فى الاستثمار سواء كان ذلك بالتوسع فى مشروعات قائمة، أو إقامة مشروعات جديدة، حيث يكون ذلك هو الذى يرفع معدلات النمو، ويزيد من معدلات التشغيل، ويضيف موارد الضرائب للدولة كلها. هنا يصير جوهر التقدم فى مصر ليس ما «يتنازل» عنه الأغنياء أو رجال الأعمال إلى الحكومة لكى تقوم بمهمة غير مؤهلة لها، وإنما توفير الظروف الإيجابية الكافية التى تجعل هؤلاء يقومون بالوظائف الاجتماعية التى يحسنون الأداء فيها، وهى تحقيق تراكم الثروة لهم وللمجتمع معا. والحقيقة أن هناك حاجة ملحة لمزيد من الأرقام فى مصر التى يمكنها أن تقيس حجم التفاعلات الاقتصادية والاجتماعية الجارية فى المجتمع والتى يمكنها أن تحسم الكثير من القضايا المثارة مثل مدى المساهمة التى تقدمها الجمعيات الأهلية فى تحمل أعباء المجتمع من تشغيل ومحاربة للفقر، ومدى المساهمة التى يقدمها القطاع الخاص للدخل الضريبى على سبيل المثال. والمسألة هنا ليست فقط قياس الأنصبة بين القطاعات التى تدفع، وتلك التى تدفع أقل، أو تلك التى لا تدفع، وإنما لكى نعرف مدى العافية والطاقة الإيجابية فى الاقتصاد الوطني. وللتوضيح فإن وسائل إعلامية نشرت أخيرا حجم التفاعلات الجارية على شبكة الإنترنت فى العالم خلال دقيقة واحدة أو 60 ثانية. وقالت الأرقام إنه خلال هذه الفترة القصيرة فإن هناك 973 ألف تسجيل دخول على موقع«الفيسبوك»، 3.7 مليون عملية بحث عبر «جوجل»، و266 ألف ساعة مشاهدة على «نتفليكس»، و38مليون رسالة عبر تطبيق «هواتسآب»، و863 ألف دولار مشتريات، و25 ألف صورة، و18مليون رسالة نصية، و 4.3 مليون مشاهدة فيديو، و375 ألف تحميل، و174 ألف تصفح، و481 ألف تغريدة، و187 مليون رسالة إلكترونية. كل ذلك خلال دقيقة واحدة، فماذا تكون الحال خلال ساعة أو يوم أو شهر أوسنة، ودون الدخول فى كثير من التفاصيل فإن كل ذلك يعكس حالة من التفاعل الإنسانى فى مجال واحد هو الاتصالات، فإذا ما أضيفت له جميع أشكال التفاعل الإنسانى من تجارة وإنتاج وابتكار سوف نعرف أى ثورة يعيشها الإنسان فى هذه المرحلة من التاريخ.

على هذا المنوال فإن مصر تحتاج بشدة لثورة رقمية تقيس مثل هذه التفاعلات بين المصريين وتطرحها على المجتمع والدولة، والمرجح ساعتها أننا سوف نجد تقسيمات جديدة بين المصريين غير تلك التى تعودنا عليها بين الفقراء والأغنياء، والحضر والريف، والشمال والجنوب، والنخبة والمجتمع. وإذا كان العالم كله يزداد تعقيدا كل يوم كما رأينا بفعل الثورات التكنولوجية الراهنة، فإن مصر هى الأخرى لم تعد كما كانت فى بساطتها وتقليديتها، والخشية هى أن ما نفعله من أعمال ونشنه من مبادرات قد يناسب دولة أخرى غير تلك التى نعيش عليها. لاشك أن هناك جهدا كبيرا يبذل فى مصر الآن، والظن أن المرحلة المقبلة سوف تعطى بما هو أكثر، ولكن المعرفة وحدها هى التى تعطى للجهد صوابه، وهى التى تعفى البلاد من كثير الجدل الذى لا صواب فيه.

نقلًا عن الآهرام القاهرية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رقم فى حياتنا رقم فى حياتنا



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 04:17 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

زيلينسكي يعلن إعادة هيكلة الدفاع الجوي الأوكراني
  مصر اليوم - زيلينسكي يعلن إعادة هيكلة الدفاع الجوي الأوكراني

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt