توقيت القاهرة المحلي 17:50:18 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ترمب بعد عام

  مصر اليوم -

ترمب بعد عام

بقلم - عبد المنعم سعيد

لن يكون الرئيس دونالد ترمب رئيساً عادياً في التاريخ الأميركي عندما يرد في أحوال المؤرخين عن الدولة العظمى في العالم. وبشكل ما فإن كل رئيس أميركي كان رئيساً غير عادي، لأن كلاً منهم عاش ظروفاً محلية ودولية مختلفة، وكان عليه بشكل أو بآخر أن يتعامل معها من منطلق خصائص الدولة الأميركية الفريدة في اتساعها الجغرافي وإمكانياتها الغنية وتركيبة شعبها المهاجرة.

ومع ذلك فإن ساكن البيت الأبيض الآن سوف يظل حالة فريدة، لأن أمر سابقيه، وربما لاحقيه أيضاً، كانت «إدارتهم» هي الأصل في الموضوع التاريخي، أما الشخص نفسه فهو يحاسب من منطلق «إدارة» الإدارة وقيادتها نجاحاً وفشلاً، وساعتها فإن «البيت الأبيض» سوف يكون مؤسسة قائدة لمؤسسات أخرى تشكل في مجموعها النظام الأميركي في عهد رئيس بعينه. ترمب بات بشخصه حالة غير مسبوقة في التاريخ الأميركي، لأن شخصيته وتكوينه وسلوكه ربما كان لها تأثيرات كثيرة داخل المجتمع الأميركي، أو حالة من نوع خاص داخل الرأسمالية الأميركية؛ ولكن وصوله إلى البيت الأبيض ظل طوال العام المنصرم، وحتى كتابة هذه السطور، يشكل حالة خاصة عكستها كل الكتابات الأميركية التي تناولت العام المنصرم من قيادته، بما فعله وما لم يفعله رئيس الدولة خلال العام الأول من رئاسته.

وقد يلخص حالة الرئيس الأميركي في عامه الأول تلك المشاهد التي عاشها حينما ذهب إلى «منتدى الاقتصاد العالمي» المنعقد في «دافوس» في نهاية الأسبوع الماضي، حيث يجتمع قادة العالم سواء هؤلاء الذين يقودون الدنيا من خلال دولهم، أو الشركات العظمى في الدنيا، أو المنظمات العالمية المختلفة، والذين يجتمعون على أمر أن «العولمة» هي خير للإنسانية، وإذا كان لها أعراض جانبية سلبية فإن العولمة كفيلة بتصحيح نفسها. وحينما وصل ترمب إلى المدينة المثلجة في جبال سويسرا، فإن استقباله عكس طبيعته الخاصة عندما قدمت مطاعم المدينة الصغيرة وجبات خاصة باسم «بيرغر ترمب» و«بيتزا ترمب»؛ ولكن الاحتفال الأكبر جاءه من جمهور أوروبي وجد أن قانون الضرائب الذي نجح في تمريره قبل نهاية العام المنصرم كان يشكل درساً أميركياً للدول الأوروبية ذات الضرائب المرتفعة.

ولكن الهجوم على ترمب جاءه من مواطنه وأحد أعضاء نادي الأغنياء في نيويورك الذي يعرفه الرئيس جيداً، وهو جورج سورس الملياردير صاحب «مؤسسة المجتمع المفتوح» - (وهي منظمة أهلية معنية بالعولمة والديمقراطية وحقوق الإنسان) حسب زعمها - راح يهاجم رئيسه من منطلقات نزوعه للديكتاتورية والديكتاتوريين في العالم، وموقفه المعادي لقضية «الاحتباس الحراري»، واحتمالات قيادته العالم إلى حرب نووية بسبب إدارته للأزمة مع كوريا الشمالية. وربما كان جورج سورس ومؤسسته التي وهبها على مدى السنين قرابة 18 مليار دولار في حالة عداء شديد مع ترمب؛ ولكنه في كل الأحوال يظل ممثلاً لحالة عداء مستحكمة في الولايات المتحدة ضد الرئيس الأميركي.

وفي الحقيقة، فإنه رغم كل العداء من دوائر شتى تشمل الليبراليين والديمقراطيين والإعلام، وحتى بعض الأعضاء الكبار في الحزب الجمهوري، فإن ترمب كانت لديه قصة نجاح يكررها كثيراً وكلها تتعلق بالنجاح الاقتصادي الذي كان وعداً رئيسياً من حملته الانتخابية، وهو في طريقه إلى البيت الأبيض.

فقد ارتفعت معدلات النمو في الاقتصاد ومعها انخفضت معدلات التضخم والبطالة إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات طويلة، وبشكل ما فإن الاقتصاد الأميركي قد وصل إلى درجة التشغيل الكامل تقريباً. وصحيح أن هذا الاتجاه قد بدأ أثناء فترة إدارة أوباما، وأنه يمكن أن يُعزي إلى إصلاحاته التي قام بها في أعقاب الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في 2008؛ ولكن المؤكد أن ترمب لعب دوراً لا يقل أهمية من خلال الإجراءات التي اتخذها لرفع القيود عن الاقتصاد الأميركي وتحفيز الاستثمارات فيه، ووقف سلسلة الهروب منه من قبل شركات كثيرة وحتى بدأ بعضها في العودة إلى الولايات المتحدة مرة أخرى بعد الهجرة منها. قانون الضرائب مثل إضافة مهمة من المحفزات للاستثمارات سواء الداخلية أو الخارجية، وكانت كافية لإعلان انتصار فلسفة «أميركا أولاً» وأن الدولة في طريقها لكي تكون عظيمة مرة أخرى.

مثل هذا النجاح لا يلقى قبولاً بين كثير من المراقبين الذين يرون أن ترمب في عامه الأول لم يحقق النجاح الذي كان يتوقعه، وقد ظهر ذلك فور انتهاء العام الأول عندما وجد الحكومة الفيدرالية تغلق أبوابها نتيجة رفض أعضاء مجلس الشيوخ الميزانية التي قدمتها حكومته بما فيهم أربعة أعضاء جمهوريين. وقبلها كان الحال كذلك فيما تعلق بإلغاء قانون أوباما للرعاية الصحية، وفيما عدا قانون الضرائب فإن ترمب لم يحقق نجاحاً يذكر في التصديق على القوانين التي طرحها؛ وحتى بعض النجاح الذي حققه كان راجعاً إلى ما عرفوا «بالبالغين» من أعضاء إدارته مثل ماتيس في الدفاع، وتيلرسون في الخارجية ومكماستر في مجلس الأمن القومي وكيللي كبير موظفي البيت الأبيض.

ويشير سجل دونالد ترمب خلال عامه الأول أنه لم ينجح في إعادة بناء السلطة التنفيذية بعد أن ترك فراغات كبيرة فيها دون تعيين، حيث ملأ 300 مكان فقط مما استوجب عليه ملأه، مقارنة بـ500 عينهم جورج بوش الابن خلال عامه الأول. وبشكل ما فإن آلة الدولة الأميركية بدت غير مستجيبة لترمب، وهو الذي اعتاد الإدارة من خلال الشركات الكبرى التي لا تقوم إزاء رئيس مجلس إدارتها إلا بالطاعة لما يعطيه من توجيهات.

وطبقاً لبعض الكتابات الصحافية، وأحياناً إيماءات من ترمب نفسه، أن مقاومة شديدة لبرنامجه جرت من قبل «الدولة العميقة» في الدولة الأميركية والتي تقاوم ولا تطيع ما يعطيه من أوامر، وهي دولة تشمل مجمع المخابرات الأميركي، والدبلوماسيين، والموظفين العموميين، والقادة العسكريين. هؤلاء جميعاً لديهم نظرة سلبية لترمب، وتخوف من تعبيراته التي تنم عن نوع من الانعزالية الشعبوية التي تفقد الولايات المتحدة قيادتها في الخارج، وتضعف من حيويتها في الداخل. ولا يوجد موضوع يعبر عن هذا التوتر الساري في أعصاب الدولة الأميركية بين ترمب والمختلفين معه والمعارضين له، قدر ما هو معروف باسم «روسياغيت» التي تتعلق بالمدى الذي وصلت إليه الحملة الانتخابية الأميركية في التواصل مع روسيا والرئيس بوتين شخصياً، وقيام هذا الأخير بالتدخل في الانتخابات الأميركية من أجل هزيمة هيلاري كلينتون في الانتخابات. فلم يعد الموضوع مجرد ظنون، وإنما تحقيقات واسعة تجري عن طريق مكتب التحقيقات الفيدرالي، ومعها لجان في الكونغرس، كلاهما يستدعي أفراداً للتحقيق، وتصبح العملية يوماً بعد يوم أصداء لعصر سابق وصلت فيه عملية مشابهة للإطاحة برئيس سابق هو ريتشارد نيكسون.

والحقيقة أنه من المبكر الحكم على كل ذلك بالوصول إلى النتيجة نفسها، خاصة أن الحزب الجمهوري يسيطر على مجلسي الكونغرس النواب والشيوخ، ولا يوجد بين صفوف الجمهوريين من وصل عداءه لترمب إلى الاستعداد للتضحية بمقعد الرئيس في البيت الأبيض لصالح الديمقراطيين!

نقلا عن الشرق الأوسط اللندنية

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ترمب بعد عام ترمب بعد عام



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 04:47 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

أماكن سياحية جاذبة للعائلات خلال عيد الفطر 2026

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 23:58 2019 الثلاثاء ,18 حزيران / يونيو

مدرب المصري يكشف رغبة النادي في ضم الشيخ من "الأهلي"

GMT 08:51 2025 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

يقولون : في الليل تنمو بذرة النسيان..

GMT 17:19 2020 السبت ,04 كانون الثاني / يناير

متسابق في ذا فويس يكشف كواليس لا يعرفها أحد عن البرنامج

GMT 20:33 2018 الإثنين ,15 تشرين الأول / أكتوبر

شركة سيات تختبر سيارتها السيدان في ألمانيا

GMT 14:21 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

فلنتعلم من الطبيعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt