توقيت القاهرة المحلي 09:12:32 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ثمن الغياب!

  مصر اليوم -

ثمن الغياب

بقلم : د. عبد المنعم سعيد

غابت مصر عن عالمها لمدة أربع سنوات تقريبا منذ نهاية 2010 وحتى نهاية 2014؛ وهذه السنوات كثيرا ما سميتها عهد الثورات الذى كان يشمل ثورتين وتوابعهما. خلال هذه الفترة انخفض معدل النمو القومى لأقل من 2% سنويا، ولما كانت الزيادة السكانية أكثر فإن النمو القومى كان فى حقيقته سلبيا.

ولكن الغياب لم يكن فقط عن النمو الاقتصادي، وإنما عن التنمية، فالبنية الأساسية لم تتوقف عن النمو فحسب بل إنها بدأت فى التدهور، وأكثر من ذلك فقد كان هناك من سعى إلى تدميرها كما حدث مع تفجيرات أنابيب الغاز وأعمدة الكهرباء. وخلال هذه الفترة تآكل الاحتياطى القومى من العملات الصعبة والذى تعدى الخمسين مليار دولار (36 مليار دولار احتياطيا قوميا، و9 مليارات دولار من تعويضات حرب الخليج، و7 ونصف مليار دولار من البنك المركزى إلى البنوك المصرية) إلى أن وصل إلى 13 مليار دولار تقريبا. والآن نعرف من البنك المركزى أن خمسة آلاف مصنع تعثرت، أو باختصار جزء رئيسى من القاعدة الصناعية المصرية التى جرى بناؤها خلال عقود سابقة.

وكان للغياب عن التنمية ثمن لا يقاس فقط بمقارنته مع الزيادة السكانية، وإنما لابد من إضافة الزيادة الهائلة فى التوقعات التى ولدتها كل ثورة، فكانت النتيجة زيادة فى الأجور لا يقابلها زيادة فى الإنتاج؛ وأكثر من ذلك زيادة كبيرة فى الإحباط لأن ما تمخض عنه الجبل الثورى كان حكم الإخوان المسلمين!.

ثمن الغياب الكبير لم يكن ماديا فقط، وإنما كان كثيرا من الإرهاب، وأكثر منه ظنون كثيرة حول مقدرتنا على النهوض مرة أخري؛ وحتى إذا نجحنا فى النهوض فهل يكون ذلك على الطرق القديمة التى نتقدم فيها خطوة ثم نتراجع خطوات إذا لم يكن على صعيد الاقتصاد فهو على صعيد الفكر.

ما جرى لمصر لم يكن قليلا، فقد جرت «قولبة» للفكر المصرى ظهرت فى عادات وتقاليد جديدة قائمة على التشدد والدروشة والعداء للحرية والعالم المعاصر فى العموم. كان «الإخوان» يهندسون العقل المصرى ويجهزونه على حكمهم؛ ولكن عندما حكموا لم يوجد عندهم ما يقدمونه سوى المزيد من التقييد والخروج بمصر عن طريقتها المدنية. وعندما ثار الشعب المصرى وتغير النظام والدستور فإن البقايا من بصمات الجماعات المتطرفة ظلت موجودة، وعلى استعداد دائم لليقظة عندما تأتيها الإشارة والإشاعة من اسطنبول.

ولعل ذلك كان طريق الكفاح الذى مضينا فيها خلال السنوات الأربع الماضية، فقد كان علينا أن نستعيد الأمن والأمان فى مصر مرة أخرى؛ كما كان علينا أن نجعل الاقتصاد يمضى على أقدام طبيعية وغير قائمة على «الزيت والسكر» سواء الذى كانت تقدمه جماعة الإخوان فى صورة الصدقات، أو الحكومة التى ظلت تقدمه فى صورة الدعم.

كان الثمن فادحا فى كل الأحوال، ولكن الضوء ظهر فى نهاية النفق مبكرا ليس فقط عندما بدأنا مشروع تفريعة قناة السويس وانتهينا منه فى عام، وخلال العام ذاته توقفت الكهرباء عن الانقطاع. ولكن أهم الإنجازات كانت استعادة الأمن والأمان مرة أخرى إلى المجتمع والدولة. وفى الأسبوع الماضى نشر معهد جالوب لقياسات الرأى العام مقياس النظام والأمن والذى جرى فيه استطلاع الرأى فى 142 دولة وفقا له جاءت مصر فى المكانة العاشرة، وبعدد نقاط 88، وبالمشاركة مع الدنمارك وسلوفينيا ولوكسمبرج والنمسا والصين وهولندا؛ وسابقة على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا.

وكانت الدول السابقة عليها هى على الترتيب من الأول إلى التاسع سنغافورة والنرويج وأيسلندا وفنلندا وأوزبكستان وهونج كونج وسويسرا وكندا وإندونيسيا. الدول العشر الأخيرة كانت على الترتيب من الدولة الأخيرة فنزويلا، أفغانستان وجنوب السودان والجابون وليبريا وجنوب أفريقيا والمكسيك وجمهورية الدومنيكان وبوتسوانا وسيراليون وبوليفيا.

كانت المعايير التى استند إليها الاستطلاع هى مدى الثقة التى يشعر بها المواطن فى أجهزته الأمنية، وقدر الجرائم التى حدثت له خلال عام مضي، ودرجة الخشية من الخروج ليلا إلى الشارع العام، وهكذا أسئلة وتساؤلات على الوتيرة نفسها.

وعلى مدى السنوات الأربع الماضية استعاد الاقتصاد المصرى حيويته مرة أخري؛ وتدريجيا ارتفع معدل النمو حتى تجاوز الآن نسبة 5%، ومع هذا بدأت الطموحات المصرية والاقتصادية تكبر إلى تصور تحقيق معدلات للنمو تتجاوز 7% وهو الحد الفاصل ما بين الأحوال الحالية لمصر، والإنطلاقة إلى الآفاق الأرحب للدول المتقدمة.

ومع فترة رئاسة جديدة، ووزارة جديدة أيضا، فإن فاتورة الغياب سوف تأخذ فى التراجع، ولكنها لن تنتهى تماما اللهم إلا اذا توافرت أربعة شروط: الأول منها استمرار النهج نفسه القائم على الحلول الجذرية للمشاكل الوطنية وطبقا للخبرة العالمية دون تردد أو تراجع. وثانيها أن يكون لدينا الشجاعة ليس فقط لاتخاذ القرار، وإنما لشرح أسبابه ودواعيه وتجارب الدول الأخرى للسير فيه. وثالثها أن المسيرة التى نسير فيها ليست مجرد حلقات من الألم والمعاناة، ولكنها من الفرص أيضا التى تتيح للمواطن حياة أفضل تماثل أو تقترب من تلك التى يعيشها البشر فى الدول المتقدمة. ورابعها أن المواطن شريك فى هذه المسيرة، وإذا كانت لدى الدولة الشجاعة للمطالبة بتجديد الفكر الديني، فربما تكون الشجاعة واجبة فى ضرورة تجديد الفكر المصرى الملوث بالفكر الإخوانى والسلفي، والمكبل بما هو متخلف من عادات وتقاليد تدفعه إلى الإنجاب فوق ما يطيق، وإلى الاستهلاك بأكثر من الطاقة، والاقتداء بما يفعله المواطنون فى دول أخرى من اجتهاد وعمل ومثابرة وتحمل وادخار واستعداد للتعلم.

لقد كان ثمن الغياب فادحا نعم، ولكنه أيضا كان فترة للتعلم والنضج ظهرت فى الاستجابة الشعبية الإيجابية للقرارات الاقتصادية، وفى الاستعداد للتضحية والفداء فى مواجهة الإرهاب، وبقى أن الشعب يعلم أنه لا يريد العودة إلى الوراء سواء كان ذلك الوراء هو الدولة البيروقراطية، أو كان دولة الإخوان المتخلفة. بات على الشعب أن يعلم فى تجربة السنوات الأربع المقبلة أن الزمن الآن يعنى الذهاب إلى المستقبل.

نقلًا عن الآهرام القاهرية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثمن الغياب ثمن الغياب



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 08:30 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سوسن بدر تكشف تفاصيل إصابتها بكسر في الفخذ
  مصر اليوم - سوسن بدر تكشف تفاصيل إصابتها بكسر في الفخذ

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt