توقيت القاهرة المحلي 01:14:54 آخر تحديث
  مصر اليوم -

طلال سلمان.. كم أنت حاضر فى غيابك!

  مصر اليوم -

طلال سلمان كم أنت حاضر فى غيابك

بقلم - خولة مطر

وقلبك يعصره وجع الفقدان.. اكتبى. وهمك يصبح أكبر من حجم تلك الغيمة البعيدة فى جحيم صيف 2023.. اكتبى. وأنت تمسكين بيده وهو ممدد فوق سرير ليس سريره فى غرفة العناية الفائقة.. اكتبى. والصور تتداعى بل تعود لها الحياة بقدرة قادر من صنعاء إلى القاهرة مرورا ببيروت.. اكتبى. وهو مستلقٍ هناك على سرير بارد جدا وأنت تعلمين أنه يكره البرودة أو اللالون أو رائحة.. اكتبى. وصوت صديقى العابر للحزن والوجع يبدو أكثر قربا من كثيرين هنا ليردد هو أكثر حياة.. اكتبى. وصور كثيرة من هنا وهناك وآخرها معا بعد انفجار بيروت فى مكتبه وهو يعلمنى فن الحياة دون أن يلقنها.. اكتبى. وأنت تتلقين الخبر المتوقع فى رسالة قصيرة وشديدة الحيادية «البقية فى حياتك».. اكتبى. وأنت تعلمين أن فى موته وحياته حضورا.. اكتبى. وهو فى موته الحى فى زمن الأموات ــ الأحياء المتجولين بين الأسطر.. اكتبى.
• • •
كنتِ بحاجة إلى الوقت كعادتك فى التعامل مع الوجع الكبير والفرح الكبير أيضا.. بعض الوقت أو كثيره.. ولكن لا وقت وأنت تريدين كما وقفتِ عند حافة سريره الأبيض كقلبه تناديه لأن يعود ويستفيق ويفتح عينيه وتعيدان معا تلك الحوارات المفعمة بالأمل حتى عندما كانت السماء تمطر ماء بلون الليل.
• • •
من أين له بكل هذه القدرة على الابتسامة بل الضحك فى الأوقات العصيبة وهو يواجه وحيدا رياحا وعواصف؟ هو الذى عرف بل تصادق مع الموت مرارا، ألم تطارده أشباحهم وقنابلهم ومفخخاتهم حتى بقى على وجهه بعض من آثار؟ كيف يقوم المرء من الموت بحثا عن الحياة لأن على «هذه الأرض ما يستحق الحياة؟».. هو الذى ضحك كثيرا وأنت تحدثينه عن جراح مع بعد الانفجار ويروح ليقارن الندب على وجهه ووجهك.
• • •
لا أعرف كيف أطرز له كلمات وهو غائب لأقول الكثير الذى ربما قلته فى ذلك اللقاء ولقاءات أخرى قبلها وبعدها، أو لم أقله فقط لأنه لا متسع عنده هو المهموم بنا وبهم وبكل الذين كتمت أصواتهم أو غيبت.. هو صوتهم وصوتنا من لبنان إلى الوطن العربى.. هو الذى احتضن الصحفيين المبتدئين منا كما قضايانا الصغيرة فى مقابل وطنه الذى كانت المفخخات فيها أكثر من علب الأدوية.
• • •
أكتب وهو الذى علمنى فن تطريز الحرف وتلحين الكلمة.. هو الآن غائب؟ ربما، إلا أن حضوره منذ خبر رحيله باهر بل طاغٍ على كثير من الحاضرين الغائبين.. كيف لا والرسائل تأتى تباعا تتساقط من أشجار كثيرة من مدن وقرى بعيدة عن الوطن العربى الذى قال إن «السفير» هى جريدته فى لبنان وجريدة لبنان فيه.. ومن أصوات كثيرة أحبته لأن له شرف محاولة أن يكون صوتها الذى خنق بين كثير من الكونكريت والنفاق المتعفن فى رحم الأنظمة.
• • •
هو الذى خلق مدرسته الخاصة فى الحوار مع سياسيين تدربوا على المراوغة إلا من أسئلته وملاحظاته ونظراته الثاقبة التى لا تخيب ولم تخب أبدا فى فهم ما خلف الابتسامة والكلمات المنمقة والمديح الممجوج.
• • •
وعندما كتب الكثيرون وسريعا أيضا أى بعد سماع الخبر بلحظات، عدت لشكى فى نفسى الذى قال عنه هو يوم.. هو أستاذى ومعلمى وصديقى الأستاذ طلال سلمان، قال متى ستتوقفين عن هذه الهواجس أو تتعافين من مرض الوسواس القهرى لدى الصحفيين من تلامذته؟.. فيما يهمس فى الجلسات الهادئة برفقة الصحبة المحببة إلى قلبه بأنه هو الآخر يتوقف أحيانا عند تفصيل الحرف واللفظ ويراجع ثم يراجع وكثيرا ما يقول بعد قراءة المقالة على صفحات الجريدة مع قهوة الصباح «ربما كان أفضل أن أستخدم هذه الكلمة أو ذاك التعبير». الأستاذ طلال المغمس، ولكن علينا دوما أن نكون مخلصين لتلك المهنة التى هى عشقنا الأزلى.
• • •
وهو الذى يعرف تضاريس المنطقة ــ ليس المتعارف منها ــ بل تلك الأكثر عمقا وصعوبة فى الملامسة، وبذاك الحس نفسه قال لى وأنا أودعه مع رحيلى من بيروت إلى القاهرة لدواعى عملى الجديد، قال: «لا تحزنى على الفراق فإنك ستشهدين ثورة فى مصر»، وقبل أن يكمل جملته كنت قد صرخت «أى ثورة أستاذ طلال.. أى ثورة؟» ومضت أيام وأسابيع وأشهر وبعد عام أو أقل وعند ساعات المغرب الأولى وعلى مدخل كوبرى قصر النيل من ناحية ميدان التحرير اتصلت به وهو فى مكتبه يدخن سيجارته ويرشف فنجان قهوته وأنا أصرخ «أستاذ طلال.. أستاذ طلال نجحت الثورة وأسقطت الرئيس».. لقد كان يقرأ القادم بنظرة صحفى محترف نادر فى زمن الكتبة والمدعين.. أستاذ طلال كم أنت حاضر فى غيابك.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

طلال سلمان كم أنت حاضر فى غيابك طلال سلمان كم أنت حاضر فى غيابك



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 09:08 2024 الخميس ,23 أيار / مايو

ليفاندوفسكى يحسم مستقبله مع برشلونة

GMT 22:26 2026 الجمعة ,20 شباط / فبراير

تسريحات شعر ناعمة للنجمات في رمضان

GMT 11:53 2025 الثلاثاء ,05 آب / أغسطس

أفضل 5 هدافين في تاريخ أعظم 10 منتخبات وطنية

GMT 18:12 2017 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

عملاء "تي إي داتا" يتعرضون للاختراق بسبب الراوتر

GMT 15:22 2022 الأحد ,06 آذار/ مارس

فصل من مذكرات الصحفي التعيس

GMT 09:03 2021 الخميس ,23 أيلول / سبتمبر

مصرع 3 أطفال في بركة مياه بطرح النيل في مصر

GMT 04:00 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أنجيلينا متألقة كالفراشة في إطلالتها باللون الليلكي في روما

GMT 01:23 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

سوزان نجم الدين بـ إطلالة جذابة في أحدث ظهور
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt