توقيت القاهرة المحلي 21:35:39 آخر تحديث
  مصر اليوم -

نعيش لنأكل أو ربما لنتجمل!

  مصر اليوم -

نعيش لنأكل أو ربما لنتجمل

بقلم - خولة مطر

تحلقوا حول تلك المائدة الدسمة، كل يمسك هاتفه النقال ربما لمتابعة «فاشونيستا» أو «انفلونسر»، أو ربما فقط لتصوير تلك المائدة ووضعها على الانستجرام أو بعض مواقع التواصل الاجتماعى الأخرى. يفيض الطعام فوق الموائد حتى يتحول إلى مواد ربما للمشاركة أو «التفاخر» أو فقط تعبير آخر من تعابير الملل الدائم لدى بعض الشعوب التى أدمنت ذاك المرض حتى تصورت أنه هو الواقع الأجمل أو الأكثر «تحضرا» أو هو النموذج الذى يحتذى به.
• • •
آخرون ينتقلون من مكان لآخر، بل يعبرون البحار والمحيطات وأينما يحطون يكون المشوار الأول هو لذاك المطعم أو المقهى لمزيد من الطعام الذى تزدحم به الموائد حتى تلفظ الكثير منه فيسقط هنا أو يتبقى كثير منه عندما تنتهى الوليمة فيجد طريقه إلى سلال المهملات!
• • •
يسافر البعض متحملا تكاليف متنوعة جسدية ومالية فقط ليزور ذاك المطعم أو المقهى ويسجل حضورا كما الآخرين، ويستطيع وبكل ثقة أن يجيب عند سؤاله «هل زرت…؟» فتكون إجابته «طبعا طبعا». لا تسألوهم عن آخر الأدوية التى اكتشفها العلماء فى ذاك البلد أو أى اختراع أو اكتشاف آخر مفيد للبشرية. ولا تتعبوا أنفسكم طبعا بتوجيه دفة الحديث إلى الطبيعة هناك أو الثروات الطبيعية فى ذاك البلد التى هى تتلون مع الفصول فتتحول الشوارع إلى لوحات فنية حسب الفصول الأربعة التى تغنى بها كثير من الشعراء وربما قصيدة «الفصول الأربعة» لجبران خليل جبران - هى الأكثر تعبيرا فى وصف جمال تلاوين الشجر وأزهاره وثمراته. هذا لأننا قد عرفنا وعلى مر السنين أنهم، أى الباحثين عن الموائد والطعام، لا رغبة لهم فى الثقافات الأخرى غير ذلك ولا حتى فهم أن المطبخ ثقافة وحضارة أيضا.
• • •
تمتلئ مكبات النفايات لإعادة تدوير آلاف الأطنان من الطعام المتبقى وهناك ليس بعيدا صراخ لطفل يبحث عن كسرة خبز تحت أنقاض خيمة. وهو ليس وحده، بل يجتمع ما يعرفون أنفسهم بأنهم نشطاء من أجل فلسطين فى مفهوم مخالف للنشطاء عندنا! ليعلنوا أنه فى غزة من لا يموت بالقذيفة والرصاصة والشظية يموت جوعا، ويجمعون ما استطاعوا من طعام وعدة ويرحلون فى قوارب تقترب من شواطئ غزة ليعلنوا لسكان غزة ولكل العالم أنهم ليسوا وحدهم، بل هناك فى رومانيا وبريطانيا وفرنسا والمدن البعيدة كثيرون يشعرون بجوعهم حتى حرموا على أنفسهم الكثير ووقفوا فى كثير من السوبر ماركت ليعلنوا أن هذه بضائع معجونة بلحم وجلد أطفال فلسطين أو ذاك الشراب «المنعش» هو أيضا مجرد دم فلسطينى.
• • •
على مر التاريخ كان التجويع أو الجوع سلاح حرب استخدم فى الحرب العالمية الأولى ثم أبدع فيه النازيون فحاصروا مدنا كثيرة وأشهرها حصار «لينينجراد» (1941-1944) حتى قتل الجوع الملايين. بعدها وقف العالم ليحاكم المجرمين فى محكمة نورمبيرج. حينها لم تكن هناك كاميرات تنقل صور البشر الذين تحولوا إلى هياكل عظمية ولم يكن هناك صحفيون شجعان مستمرين فى نقل الصورة كما هو حادث الآن فى غزة، ولم يكن مؤثرون ومواطنون غزاويون عاديون جدا استمروا فى فعل مقاومة الموت بنشر صور الحياة أو ما تبقى منها، فاضحين لكل جرائم النازيين الجدد وحرب الإبادة المستمرة عليهم وعلى كل جيران ذاك الكيان المزروع عنوة فى قلب الوطن الواسع.
• • •
حينها أيضا، أى أثناء مجاعات وحصارات الحرب العالمية وغيرها من حروب، لم يكن هناك بشر يتقنون فن نشر صور لأصناف من الطعام المرصوص فوق موائد فقط لتصويرها ونشرها، ولم يكن هناك فى أوروبا كلها من يتصور أن شبعه غير موجع فى مقابل كل ذاك الجوع والوجع القريب منه حتى الوريد. لم يكن أهل غزة يصرخون وأقرباؤهم هنا وهناك مستمرون فى عقد المهرجانات والمسابقات شديدة البذخ ولم يكن المواطن البسيط الذى يردد دوما «ما باليد حيلة» قد تحول إلى مراقب للإبادة والحرب ملتزم الصمت لأن صوته أو رسالته القصيرة هنا أو هناك أو إعادة نشر صورة يزن الذى قالت أمه «طفلى يذبل من الجوع»، قد تؤدى إلى فقدانه لوظيفته أو حتى معاقبته بالسجن وذاك ليس فى سجون تلك المسماة دولا «مستقلة!» بل وأيضا فى الدول الأكثر تبجحا باحترامها لحقوق الإنسان والديمقراطيات العريقة.
• • •
بعضنا يعيش ليأكل أو يتجمل بموائد فى مطاعم فاخرة، وآخرون قريبون جدا يتضورون جوعا وكأنهم أو كأننا قد أصبنا بالخدر فى الضمير والإنسانية وهو أكثر أنواع الخدر قتلا.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نعيش لنأكل أو ربما لنتجمل نعيش لنأكل أو ربما لنتجمل



GMT 01:55 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 01:52 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 01:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 01:45 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 01:40 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

بلفاست... تفسير ما حدث

GMT 01:38 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 01:29 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 14:32 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 14:16 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الأسد الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 07:56 2025 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

وصول عون للرئاسة ينعش لبنان والمنطقة

GMT 08:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 22:34 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

تخيل أننا التقينا....

GMT 19:29 2019 الأحد ,20 تشرين الأول / أكتوبر

دليلك الكامل لارتداء البدلات الرسمية

GMT 11:24 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

بعد أن أصبح ١٨٪ من السكان عجائز وانخفضت القوى العاملة

GMT 12:32 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج القوس الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 14:41 2020 الأحد ,04 تشرين الأول / أكتوبر

نيكاكسا يستعيد نغمة الانتصارات في الدوري المكسيكي

GMT 05:25 2020 الأحد ,19 تموز / يوليو

وقف إنتاج هوندا سيفيك كوبيه رسميا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt