توقيت القاهرة المحلي 18:57:16 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الهدر كنمط لحياة باهتة

  مصر اليوم -

الهدر كنمط لحياة باهتة

بقلم - خولة مطر

بعينين ناعستين من قلة النوم أو نقصانه، تبحث عن ما تحب فى هذه المدينة وقبلها حبك الأول فى المدن عندما كان للمدن رائحة غير غمامتها ومخلفات حيواناتها الأليفة ولها لون أيضا ربما هو شمسها التى كانت قبل أن تغزو السموات الزرق أغبرة وأتربة التلوث وتغير المناخ..
• • •
لا تزال تبذل جهدا لفتح عينيك وأنت تبحث عنها، عن تلك التى أحببتها وبقيت رغم تعرجات الزمن وأحداثه المتلاحقة هى الأكثر حضورا فى الذاكرة الباهتة!
• • •
ليست المرة الأولى وأنت لم تبعد عنها طويلا فقد كنت هنا قبل أشهر فقط ولكنها تتغير وتتحول وتدريجيا تمسح تفاصيل كانت الأجمل وتتحول إلى مدينة أخرى بلا روح.. عندما حوروا التاريخ أو زوروه أو حتى مسحوه فقط بـضغطة «دليت» أو محو.. هم يتفننون فى محو كل ما تبقى، يقول صديقى العزيز «هم والزمن والطبيعة علينا» ويبتسم مكملا: «ما خلاص قربنا نروح وده أحسن مش عايز أبقى أكثر»، وقبل أن يكمل يعلو صوت جميع الحضور «بعيد الشر بعيد الشر» فيما هم وهن جميعا مثله يتمسكون ببعض ما تبقى حتى لا يبدو «المسح» المستمر وكأنه مؤامرة متكاملة المعالم على المساحة المتبقية لحياة تشبه الفرح الذى كان..
• • •
صممت رغم عدم توقف السائق عن الهدر فى الكلام، نعم هذه لحظة الهدر فى الطعام والشراب والملبس والمكسى وحتى الكلام.. هدر فى هدر.. ضاع ذاك الدرس القديم الذى كررته علينا مدرسة العربى «إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب». لم يعد الكلام من فضة ولا ذهب بل أصبح الكلام ساكتا فى صخبه وباهتا فى كثرته.. ولكنه، أى سائق تاكسى المطار، لم يعرف هذا الدرس ولم يسمع به بل هو من مدرسة أكثر من الحديث فقد يمنحك الراكب مزيدا من الجنيهات!
• • •
عودة لتضاريس المدينة التى بدأت تتوسع ربما بفعل عدد السكان المتزايد فى كل مكان رغم محاولاتهم بتقليل السكان فقد انتصرت إرادة البشر على نظريات المؤامرة وبقيت هواية الإكثار من الأطفال هى الأكثر انتشارا حتى مع كم السخف والابتذال على وسائل التواصل وخاصة التيك توك.
• • •
أين تلك العمارة فى قلب العاصمة التى كانت هى رمز لمرحلة معمارية خاصة، وأين المقهى ذاك المزدحم و«فين راح مجرى النهر؟» أسئلة محيرة حتى اختلطت تضاريس المدينة أو ربما مسخها الجديد الذى يحمل تسميات رنانة ومغرية وربما عمرانية، كما يقول عنها المعمارى الشاب الذى يسعى إلى أن لا تتعود عيوننا على هكذا بشاعة عمرانية حتى ندمنها، ونحول مدننا إلى ما يشبه تلك التى أصبحت مرجعا للمدن الحديثة تتسابق العواصم والحكومات على تقليدها لتصبح مدننا كما كثير من نسائنا ورجالنا أيضا متشابهات بفعل خربشة جراح تجميل! هى جراحة تشويه وليست تجميلا حتما.. ليتهم يمنحونها ما يشاءون من الأسماء إلا أن تحمل وصف تجميل والذى هو حسب المعاجم يعنى جمّل الشىء أى حسنه فى الشكل أو الخلق أو زين الشىء.. فما الجميل فيما يحدث لكثير من تلك التى كانت تسمى مدن الورد والماء والجمال دون أسوار تحجب الرؤية إلا لمن استطاع لها سبيلا بماله أو نفوذه أو كليهما.
• • •
جاهدون هم فى ردم كل صور الماضى أو ربما طمسها تحت الطين والتراب أو تشويهها حتى يهرب عشاقها القدامى لتبقى بقايا صورها فى زوايا الذاكرة. أما ما تبقى فنحن كشعوب كفيلون بهدمه أيضا ربما لكثير من الجهل حتى بين حملة الشهادات والفقر المادى والحسى والجمالى والطمع الذى تحول إلى نمط سلوك وحياة وكثير من اللامبالاة وترديد مقولة «هى وقفت عليا»، كلهم أو كلنا مدانون بدفن الجمال أو ما تبقى منه منذ أن سكتنا على أن تتمدد الواجهات العشوائية لتغطى نصب وتصاميم الجمال المعمارى والنصب والتماثيل لفنانين عرب من بغداد مرورا بدمشق وحتى القاهرة.. نحن مدانون منذ أن وافقنا أن تطغى بلد اللاحضارة وتغرز لا ثقافتها ولا حضارتها مع جيوشها ودباباتها فى عمق مدننا التاريخية وبيوتنا العتيقة المعجونة بكثير من الذكريات والصور واللحظات الخاصة.. نحن مدانون لأننا تصورنا أننا كلنا نيويورك بناطحات سحابها وأن تلك المبانى الزجاجية هى الأنسب لطقس لا يعرف سوى حرارة الشمس ودفئها فى الشتاء.. نحن مدانون عندما تصورنا أن بيوت الطين التى بناها كثيرون من أحبتنا بعرقهم وربما بعض دمهم تمثل شيئا من «التخلف» فعلينا أن نمحيها عن سطح الذاكرة وباطنها! نحن مدانون عندما تصورنا أن حقوق الإنسان هى فى الحريات السياسية وحرية التعبير فقط ولم نشملها بالحقوق الثقافية ومنها حقنا فى المحافظة على مدننا وشوارعنا ومبانينا وحضارتنا وغنائنا وموسيقانا وملابسنا وأكلاتنا التى زحفت إسرائيل لتسرق بعضها أو كلها و.. و.. و..

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الهدر كنمط لحياة باهتة الهدر كنمط لحياة باهتة



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

صبا مبارك تتألق بإطلالات عصرية راقية تواكب نجاح الفني

أبوظبي ـ مصر اليوم

GMT 05:52 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

بي إم دبليو M3 موديل 2027 تظهر لأول مرة
  مصر اليوم - بي إم دبليو M3 موديل 2027 تظهر لأول مرة

GMT 06:18 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

ميتا توسّع أدوات تخصيص المحتوى حسب الاهتمامات
  مصر اليوم - ميتا توسّع أدوات تخصيص المحتوى حسب الاهتمامات

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 20:04 2019 الثلاثاء ,04 حزيران / يونيو

قرص واحد "يطيل عمر" مرضى سرطان البروستات

GMT 07:05 2021 الأحد ,31 كانون الثاني / يناير

شكري يستقبل رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي الأحد

GMT 00:39 2021 الإثنين ,18 كانون الثاني / يناير

هنا الزاهد وزوجة كريم فهمي تثيران الجدل بفساتين قصيرة

GMT 19:10 2020 الثلاثاء ,03 آذار/ مارس

روبي تشاهد العرض المسرحي "علاء الدين"

GMT 00:00 2019 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

رمضان صبحي يؤجل إعلان مصيره مع الأهلي

GMT 08:45 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

"أبل" تُطلق جهاز "Homepod Mini" و3 هواتف جديدة

GMT 07:42 2018 الجمعة ,31 آب / أغسطس

كشف غموض فتاة توفى زوجها بسببها في تكساس
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt