توقيت القاهرة المحلي 15:35:29 آخر تحديث
  مصر اليوم -

دراويش أردوغان وترامب

  مصر اليوم -

دراويش أردوغان وترامب

بقلم - عماد الدين حسين

من الطبيعى أن يحاول الرئيس التركى رجب طيب أردوغان تصوير صراعه مع إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب باعتباره صراعا دينيا بين الإسلام والمسيحية، أو بين الحق والباطل، لكن أليس من الطبيعى أن يفكر أنصار أردوغان ومريدوه فى صحة هذا الأمر؟!.

استغلال الدين ــ أى دين ــ فى الصراعات السياسية أمر قديم ومعروف ومجرب منذ بدء ظهور الأديان، ومن المتوقع أن يستمر، حتى تقوم الساعة. أردوغان يقول إن الله معه فى صراعه مع ترامب، والأخير يفعل الأمر نفسه، والضحية فى المنتصف هم الجماهير فى كلا الطرفين، الذين يعتقد معظمهم أن القضية فعلا بين الإيمان والكفر، أو الحق والباطل، وليست فى جوهرها مصالح شخصية أو قومية أو اقتصادية من أجل النفوذ والمكاسب.

أنصار ومجاذيب أردوغان الذين يهللون خلفه ليل نهار هذه الأيام، لا يفكرون فى معظم الأوقات بعقولهم، بل بقلوبهم، ويعتقدون فعلا أن أردوغان سوف يعيد دولة الخلافة انطلاقا من اسطنبول لتسيطر على معطم بلدان العالم، كما فعلت بداية من عام ١٥٠٠ ميلادية، فى زمن محمد الفاتح.
هذه الفئة لا تريد أن تتوقف قليلا لتدرك أن تركيا عضو مهم جدا فى حلف الأطلنطى، ليس فقط فى زمن الحكومات العلمانية الأتاتوركية، ولكن حتى هذه اللحظة فى زمن حكومات حزب العدالة والتنمية ــ ذى الخلفية الاسلامية ــ الذى يترأسه أردوغان، واتضح لنا جميعا، من أقوال وممارسات وأفعال أردوغان منذ ٣٠ يونيو ٢٠١٣ أنه أقرب إلى جماعة الإخوان وتيارات الإسلام السياسى، منه إلى أى أفكار علمانية، بل هو استخدمها فقط كتقية، للوصول إلى السلطة وتثبيت أركان نظامه، والحد من نفوذ الجيش.

الطائرات الأمريكية والغربية «المسيحية» ما تزال تنطلق من قاعدة انجرليك التركية لتنفذ كل عملياتها فى منطقة الشرق الأوسط.

هؤلاء الانصار أيضا فى المنطقة العربية، يتحدثون عن «الشيطان الامريكى»، لكنهم ينسون أنهم يوفرون له أكبر قاعدة عسكرية فى العالم كله فى العيديد القطرية!!.

حتى هذه اللحظة أيضا لا يريد أنصار أردوغان تصديق أن هناك علاقات عادية جدا بين تركيا «الإسلامية» وإسرائيل الصهيونية. هى توترات فى بعض الأحيان، وتشهد صراعات واشتباكات لفظية ساخنة. لكنها علاقات مستقرة. وجزء كبير من الصادرات التركية للمنطقة العربية يمر عبر الموانئ الإسرائيلية فى البحر المتوسط.

نفس الأمر ينطبق على دونالد ترامب الذى يصرخ ليل نهار بعبارات حماسية ضد تركيا، لكن الدولة الأمريكية العميقة تردعه طوال الوقت، خصوصا فى وزارة الدفاع ووكالات الاستخبارات الأمريكية، الذين يدركون أهمية تركيا للاستراتيجية الأمريكية والغربية، فى إطار الصراع المرير مع روسيا أولا، وأهمية تركيا فى أى صراع كبير محتمل مع إيران ثانيا، وثالثا لمحاولة معادلة النفوذ الروسى المتزايد فى سوريا والمنطقة. وليس مستبعدا أن تتمكن هذه الدولة العميقة من إزاحة ترامب وركله خارج البيت الابيض، على خلفية قضية التدخل الروسى فى الانتخابات التى تتصاعد يوما بعد يوم.

المريدون والدراويش فى كلا الطرفين يدخلون فى صراعات عبثية على مواقع التواصل الاجتماعى، ويعتقدون أن الحرب التركية ضد أمريكا وإسرائيل سوف تندلع بعد لحظات قليلة، مركزين فقط على بعض التصريحات الصارخة لفظا من هذا المسئول أو ذاك.

هم حتى لا يريدون أن يركزوا على جوهر تصريحات أردوغان وليس شكلها، حينما يؤكد مرارا أن بلاده تلقت طعنة فى الظهر من «الشريك الاستراتيجى» لها وهو الولايات المتحدة. وبالتالى فهو ليس فى صراع مع واشنطن، ولكنه مقهور من طريقة تصرفها معه.

أردوغان يريد من ترامب أن يسلمه عبدالله جولن ومارس الطرفان «لعبة عض الأصابع»، منذ فشل انقلاب يوليو ٢٠١٦، لكن واشنطن ترفض تسليمه، كما أن أردوغان لا تعجبه العلاقات المتنامية بين واشنطن وأكراد سوريا، لذلك حاول أن يؤثر عليها بأكثر من ورقة، منها اقترابه أكثر من روسيا وإيران.

ربما يريد أردوغان أن يصبح الخليفة الإسلامى، أو السلطان العثمانى الجديد، وربما يريد ترامب أن يصبح زعيما للتيار المسيحى اليمينى المحافظ لإرضاء قاعدته الانتخابية لكن معظم المراقبين يقولون إن الاثنين ــ شأن كل الزعماء ــ يستخدمان شماعة الدين لتخدير الجماهير المغلوبة على أمرها، والتى تتأثر كثيرا بسلطان الدين.

والمأساة أنه مع صراعات من هذه النوعية، فالمتوقع أن تدفع المنطقة والعالم أثمانا باهظة فى المستقبل، لأن تلك هى البيئة الخصبة لازدهار الدواعش فى كل الأديان!.


نقلا عن المصرى اليوم

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دراويش أردوغان وترامب دراويش أردوغان وترامب



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد

GMT 02:03 2020 الإثنين ,25 أيار / مايو

شاب يلقي بنفسه في نيل سوهاج بسبب فتاة

GMT 16:24 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

مؤشر سوق مسقط يغلق التعاملات على انخفاض

GMT 09:03 2019 الأحد ,14 تموز / يوليو

تعرف على أسعار أوبل "أسترا" 2020 في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt