توقيت القاهرة المحلي 06:56:31 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأب المتفتح فى مجتمع صعيدى مغلق

  مصر اليوم -

الأب المتفتح فى مجتمع صعيدى مغلق

بقلم : عماد الدين حسين

أرجو أن يعذرنى القراء الأعزاء، لأن الكتابة عن والدى ــ الذى توفى الاسبوع الماضى ــ ستبدو لكثيرين عملا شخصيا جدا، وليس هذا مكانه.
وظنى أن الأمر، حتى لو كان شخصيا، فهو يتعلق أيضا بالعلاقة بين الآباء والأبناء خصوصا فى هذا العصر الذى اختلت فيه مسلمات وبديهيات كثيرة.
والدى من مواليد ٢٥ يناير ١٩٤٠، كان رئيسا للجمعية الزراعية بقريتنا التمساحية بأسيوط، ثم التحق ببنك التنمية والائتمان الزراعى فى المنشأة الكبرى. أنجب أولاده وبناته السبعة قبل أن يكمل الرابعة والثلاثين من عمره، ومات له سبعة اخرين مثلهم .
والدى ورغم أنه ولد وعاش فى أجواء صعيدية محافظة ومغلقة، إلا أنه كان شديد التفتح والعقلانية، وما فعله معنا، أتمنى أن يفعله أى أب مع أولاده.
أبى لم يستخدم أسلوب الضرب معنا، رغم أن ذلك كان شائعا جدا فى الريف والصعيد، بل أزعم أنه ما يزال مستمرا حتى الآن وبطرق وحشية أحيانا.
شقيقاتى الأربع لم يرتدين الحجاب لفترة، وكنا يذهبن من القرية للمركز ولمدينة أسيوط وجامعتها من دون حجاب، حتى قررن من تلقاء أنفسهن ارتداءه، من دون ضغط من والدى، حيث ترك لهن حرية الاختيار. وأظن أن ارتداء الحجاب فى هذا الوقت كان فى إطار الظروف الاجتماعية والسياسية التى غيرت الكثير من المجتمع بداية من أوائل الثمانينيات.
حينما نجحت فى الثانوية العامة بتفوق، تمنى على والدى أن التحق بإحدى كليات الحربية أو الشرطة أو الحقوق، لكى أصبح ضابطا أو وكيل نيابة. قلت له وقتها إن أملى الوحيد أن ألتحق بكلية الإعلام جامعة القاهرة، حاول إقناعى كثيرا، لكننى أصررت على موقفى، فاحترمه ودعمنى بصورة كاملة، بل كان يشترى لى الصحف من المركز أو البندر بصورة شبه منتظمة بداية من الصف الأول الإعدادى.
كان والدى يؤمن إيمانا كاملا بأهمية التعليم ولذلك لم يشعر بأى ندم حينما باع معظم أرضه الزراعية، من أجل تعليم أولاده السبعة تعليما جيدا، لكنه كان أكثر إيمانا بأن التربية الصحيحة تأتى قبل وأثناء وبعد التعليم، فهى الكنز الحقيقى لأى شخص، ومن دونها لن تكون هناك قيمة لأعلى الشهادات الدراسية.
وبعد حصولى على بكالوريوس الإعلام من جامعة القاهرة عام 1986، عملت فى معظم الصحف اليسارية، بداية من «صوت العرب»، حاول إقناعى بالالتحاق بأى صحيفة قومية، ودخلت معه فى نقاشات مطولة من دون إكراه. وحينما أغلقت الحكومة صحيفة «صوت العرب» عام ١٩٨٨، ثم «مصر الفتاة» عام ١٩٩٢، عاد ليحاول إقناعى، فذهبت إلى «دار التحرير» للعمل فى مركز الأبحاث لمدة سنة ونصف السنة مع الدكتور فتحى عبدالفتاح رحمه الله، لكن عدت مرة أخرى للعمل فى صحيفة «العربى»، وظل ثابتا فى احترام خياراتى.
كان والدى مدخنا شرها لم يتوقف إلا بعد أن أجرى عملية قلب مفتوح وهو فى أوائل الخمسينيات من عمره، وحينما بدأت التدخين عام 1982، شرح لى مضار التدخين وقال لى إنه لا يريدنى أن أكرر تجربته، لكنه لم يضغط على إلا حينما توقف هو عن التدخين ليكون لى قدوة، وظل ينصحنى من دون يأس. وكانت أسعد لحظاته حينما أخبرته عام ٢٠٠٧ أننى توقفت عن التدخين بمحض إرادتى وبصورة نهائية.
كان والدى شديد الود والكرم مع كل أصدقائى وأصحابى منذ أيام الإعدادية وحتى أيامه الأخيرة. لا يفرق بين عامل متواضع ووزير.
وقبل أربع سنوات زارنى السفير محمد العرابى وزير الخارجية الأسبق فى منزل والدى بأسيوط حينما كنا نشارك سويا فى مؤتمر علمى فى جامعة أسيوط، وقبلها بيوم كان معى سائق الجامعة واستقبل وأكرم الاثنين بنفس الدرجة.
عدد كبير من أصدقائى الحقيقيين كانوا أصدقاء لوالدى، وكان يشعر بسعادة غامرة حينما يقدم لهم طعاما من صنع يديه خصوصا الطواجن.
كان الرجل خدوما للجميع أثناء عمله فى الجمعية الزراعية وبنك الائتمان الزراعى، وحتى بعد خروجه للمعاش. ظل الجميع يقصده فى كل المشاكل لأنه كان يملك قدرة مدهشة على الوصول لحلول وتسويات، وإشعار كل طرف أنه حصل على أفضل النتائج.
رحم الله أبى أو أبويا كما كنت أسميه معظم الأحيان، وليت كل أب يقترب من أولاده ويصادقهم ويستمع إليهم ويجلس معهم أطول وقت ممكن، قبل أن يفوت الأوان.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأب المتفتح فى مجتمع صعيدى مغلق الأب المتفتح فى مجتمع صعيدى مغلق



GMT 06:27 2021 الأحد ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

لأقصر عند الإخوان والأقصر الآن

GMT 06:25 2021 الأحد ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

لفّ وارجع تاني

GMT 06:23 2021 الأحد ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

مفتى الطريق الصحراوى

GMT 06:21 2021 الأحد ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

الجمهورية الجديدة

GMT 06:19 2021 الأحد ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

تأملات في «غزل البنات»

نوال الزغبي تتألق في فساتين سهرة جريئة وأنيقة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 15:47 2021 الخميس ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

جينيفر لوبيز تسجل أفضل إطلالة في حفل CFDA
  مصر اليوم - جينيفر لوبيز تسجل أفضل إطلالة في حفل CFDA

GMT 14:48 2021 السبت ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

جبل الملح في بورسيعد مزار سياحي ذو طبيعة خلابة
  مصر اليوم - جبل الملح في بورسيعد مزار سياحي ذو طبيعة خلابة

GMT 16:22 2021 الخميس ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

الأخضر يسيطر على موضة ديكورات 2022 الداخليّة
  مصر اليوم - الأخضر يسيطر على موضة ديكورات 2022 الداخليّة

GMT 20:46 2021 الثلاثاء ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

شكري يؤكد أن مصر ستطبع العلاقات مع تركيا اذا غيرت المسار
  مصر اليوم - شكري يؤكد أن مصر ستطبع العلاقات مع تركيا اذا غيرت المسار

GMT 23:00 2021 الخميس ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

حفيظ دراجي يرد على إسرائيلي بعد تطاوله على الجزائر
  مصر اليوم - حفيظ دراجي يرد على إسرائيلي بعد تطاوله على الجزائر

GMT 08:44 2021 الإثنين ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

صيحات جمالية عالمية من وحي النجمات
  مصر اليوم - صيحات جمالية عالمية من وحي النجمات

GMT 15:47 2021 الأحد ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

أفكار لتجنب الأخطاء في اختيار الستائر للمنزل
  مصر اليوم - أفكار لتجنب الأخطاء في اختيار الستائر للمنزل

GMT 01:43 2021 الثلاثاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السيسي يشدد على موقف مصر من قضية سد النهضة
  مصر اليوم - السيسي يشدد على موقف مصر من قضية سد النهضة

GMT 14:28 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالعزلة وتحتاج الى من يرفع من معنوياتك

GMT 12:29 2021 الأحد ,20 حزيران / يونيو

مصر تواجه ظاهرة التصحر في 4 خطوات

GMT 20:33 2020 الخميس ,24 كانون الأول / ديسمبر

ماكلارين تدشن سياراتها الخارقة MCLAREN SABER

GMT 04:32 2020 الخميس ,24 كانون الأول / ديسمبر

شبيهة فتاة سقارة تثير الجدل بجلباب مفتوح

GMT 02:53 2020 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

سكان مدينة بالاسور الهندية يكتشفون سلحفاة صفراء نادرة

GMT 07:46 2020 الأربعاء ,03 حزيران / يونيو

إيطاليا تدشن تطبيقًا لتتبع مصابي كوفيد-19

GMT 18:46 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

ارتفاع وفيات فيروس كورونا في روسيا إلى 1169

GMT 08:18 2020 الثلاثاء ,03 آذار/ مارس

اشتري iphone 7 جديد بـ2000 جنيه

GMT 08:10 2018 الأحد ,21 كانون الثاني / يناير

نسرين طافش تهرب من الشتاء وتقضي إجازتها في سريلانكا

GMT 12:58 2021 الأربعاء ,29 أيلول / سبتمبر

أعراض زيادة الأملاح في الجسم وطرق علاجها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2021 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2021 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon