توقيت القاهرة المحلي 09:09:16 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأب المتفتح فى مجتمع صعيدى مغلق

  مصر اليوم -

الأب المتفتح فى مجتمع صعيدى مغلق

بقلم : عماد الدين حسين

أرجو أن يعذرنى القراء الأعزاء، لأن الكتابة عن والدى ــ الذى توفى الاسبوع الماضى ــ ستبدو لكثيرين عملا شخصيا جدا، وليس هذا مكانه.
وظنى أن الأمر، حتى لو كان شخصيا، فهو يتعلق أيضا بالعلاقة بين الآباء والأبناء خصوصا فى هذا العصر الذى اختلت فيه مسلمات وبديهيات كثيرة.
والدى من مواليد ٢٥ يناير ١٩٤٠، كان رئيسا للجمعية الزراعية بقريتنا التمساحية بأسيوط، ثم التحق ببنك التنمية والائتمان الزراعى فى المنشأة الكبرى. أنجب أولاده وبناته السبعة قبل أن يكمل الرابعة والثلاثين من عمره، ومات له سبعة اخرين مثلهم .
والدى ورغم أنه ولد وعاش فى أجواء صعيدية محافظة ومغلقة، إلا أنه كان شديد التفتح والعقلانية، وما فعله معنا، أتمنى أن يفعله أى أب مع أولاده.
أبى لم يستخدم أسلوب الضرب معنا، رغم أن ذلك كان شائعا جدا فى الريف والصعيد، بل أزعم أنه ما يزال مستمرا حتى الآن وبطرق وحشية أحيانا.
شقيقاتى الأربع لم يرتدين الحجاب لفترة، وكنا يذهبن من القرية للمركز ولمدينة أسيوط وجامعتها من دون حجاب، حتى قررن من تلقاء أنفسهن ارتداءه، من دون ضغط من والدى، حيث ترك لهن حرية الاختيار. وأظن أن ارتداء الحجاب فى هذا الوقت كان فى إطار الظروف الاجتماعية والسياسية التى غيرت الكثير من المجتمع بداية من أوائل الثمانينيات.
حينما نجحت فى الثانوية العامة بتفوق، تمنى على والدى أن التحق بإحدى كليات الحربية أو الشرطة أو الحقوق، لكى أصبح ضابطا أو وكيل نيابة. قلت له وقتها إن أملى الوحيد أن ألتحق بكلية الإعلام جامعة القاهرة، حاول إقناعى كثيرا، لكننى أصررت على موقفى، فاحترمه ودعمنى بصورة كاملة، بل كان يشترى لى الصحف من المركز أو البندر بصورة شبه منتظمة بداية من الصف الأول الإعدادى.
كان والدى يؤمن إيمانا كاملا بأهمية التعليم ولذلك لم يشعر بأى ندم حينما باع معظم أرضه الزراعية، من أجل تعليم أولاده السبعة تعليما جيدا، لكنه كان أكثر إيمانا بأن التربية الصحيحة تأتى قبل وأثناء وبعد التعليم، فهى الكنز الحقيقى لأى شخص، ومن دونها لن تكون هناك قيمة لأعلى الشهادات الدراسية.
وبعد حصولى على بكالوريوس الإعلام من جامعة القاهرة عام 1986، عملت فى معظم الصحف اليسارية، بداية من «صوت العرب»، حاول إقناعى بالالتحاق بأى صحيفة قومية، ودخلت معه فى نقاشات مطولة من دون إكراه. وحينما أغلقت الحكومة صحيفة «صوت العرب» عام ١٩٨٨، ثم «مصر الفتاة» عام ١٩٩٢، عاد ليحاول إقناعى، فذهبت إلى «دار التحرير» للعمل فى مركز الأبحاث لمدة سنة ونصف السنة مع الدكتور فتحى عبدالفتاح رحمه الله، لكن عدت مرة أخرى للعمل فى صحيفة «العربى»، وظل ثابتا فى احترام خياراتى.
كان والدى مدخنا شرها لم يتوقف إلا بعد أن أجرى عملية قلب مفتوح وهو فى أوائل الخمسينيات من عمره، وحينما بدأت التدخين عام 1982، شرح لى مضار التدخين وقال لى إنه لا يريدنى أن أكرر تجربته، لكنه لم يضغط على إلا حينما توقف هو عن التدخين ليكون لى قدوة، وظل ينصحنى من دون يأس. وكانت أسعد لحظاته حينما أخبرته عام ٢٠٠٧ أننى توقفت عن التدخين بمحض إرادتى وبصورة نهائية.
كان والدى شديد الود والكرم مع كل أصدقائى وأصحابى منذ أيام الإعدادية وحتى أيامه الأخيرة. لا يفرق بين عامل متواضع ووزير.
وقبل أربع سنوات زارنى السفير محمد العرابى وزير الخارجية الأسبق فى منزل والدى بأسيوط حينما كنا نشارك سويا فى مؤتمر علمى فى جامعة أسيوط، وقبلها بيوم كان معى سائق الجامعة واستقبل وأكرم الاثنين بنفس الدرجة.
عدد كبير من أصدقائى الحقيقيين كانوا أصدقاء لوالدى، وكان يشعر بسعادة غامرة حينما يقدم لهم طعاما من صنع يديه خصوصا الطواجن.
كان الرجل خدوما للجميع أثناء عمله فى الجمعية الزراعية وبنك الائتمان الزراعى، وحتى بعد خروجه للمعاش. ظل الجميع يقصده فى كل المشاكل لأنه كان يملك قدرة مدهشة على الوصول لحلول وتسويات، وإشعار كل طرف أنه حصل على أفضل النتائج.
رحم الله أبى أو أبويا كما كنت أسميه معظم الأحيان، وليت كل أب يقترب من أولاده ويصادقهم ويستمع إليهم ويجلس معهم أطول وقت ممكن، قبل أن يفوت الأوان.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأب المتفتح فى مجتمع صعيدى مغلق الأب المتفتح فى مجتمع صعيدى مغلق



GMT 10:43 2025 الأحد ,12 كانون الثاني / يناير

جانب فخامة الرئيس

GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:33 2024 السبت ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

فرنسا تتصالح مع نفسها في المغرب

GMT 03:37 2024 الأحد ,13 تشرين الأول / أكتوبر

حزب المحافظين البريطاني: «لليمين دُرْ»!

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt