توقيت القاهرة المحلي 06:47:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وسادة نيوزيلندا

  مصر اليوم -

وسادة نيوزيلندا

بقلم: سمير عطا الله

كلما وقعت مسفحة من هذا النوع، تحضر إلى الذاكرة روايات دوستويفسكي حول النفس البشرية الرهيبة: من هو المجرم الحقيقي: المحرض أم المنفذ؟ يقول في «الإخوة كارامازوف»: «لا يمكن لأي حيوان أن يجيد القساوة ويتفنن بها مثل الإنسان».
تفنن السفاح الأسترالي في رسم جريمته، وإعدادها وتنفيذها، كما لو أنه يعمل على لوحة للمتاحف. ووضع «كراساً» حول دوافعه وكأنه يضع مطالعة فكرية كبرى. هكذا كان «راسكولينكوف»؛ بطل «الجريمة والعقاب»، يعتقد أنه يقوم بعمل إنساني جليل، وفي الوقت نفسه يريد أن يثبت أنه يقوم بعمل يعجز عنه سواه. قبل أن يُقدم «راسكولينكوف» على جريمته، كتب مقالاً في إحدى المجلات حول أعمال القتل التي لا بد من أن تُرتكب في سبيل الإنسانية... المجرم يعد التبرير سلفاً.
يتوازى الإجرام مع التفاهة والسخف. السفاح الأسترالي كلف نفسه مهمة كبرى لصالح البشرية. ولن تكون هذه مقتلة عادية، بل فيلماً سينمائياً بالألوان وبكل ما توفره تقنيات الزمان: من الرشاش إلى النقل المباشر. ولشدة ما هو تافه وسقيم لم يخترع شيئاً: نسخ ألوان «داعش» وجاء بها إلى المدينة. يكتشف السفاح بعد جريمته أنه مجرد وحش عادي ولا جديد في المسألة.
الجديد الوحيد هنا أن المجرم الصغير استطاع أن يقلب حياة دولة برمّتها. لن تنام نيوزيلندا بعد اليوم على الوسادة نفسها، وسوف تراودها كل ليلة أحلام ترى فيها نفسها مَعرضاً للجثث البريئة والأطفال. ولن تغيب عن بالها بعد الآن صورة رئيسة وزرائها بثياب الحداد، تخاطب الأمة وتقدم العزاء لأهل الذين قتلوا وهم يصلّون.
جريمة تافهة، لا أكثر، ويكفي أن تقرأ «مطالعته». لكن لم يكن يخيل لنيوزيلندا أنها تحتضن هذا النوع من المخلوقات. وهي فعلاً كذلك. فقد جاءها من الخارج، كما هي الموضة اليوم، أو مثل أفلام الـ«كاوبوي» القديمة، حيث ينزل خارج على القانون على قرية هانئة ويحول سكينتها إلى كابوس.
يدب القلق في الجميع... يخافون على أبنائهم... يخافون على سمعتهم... يخافون أن يستدل المجرمون الآخرون على قريتهم، وأن تتحول إلى ساحة صراع فيما بينهم. لقد أصبحت على خريطة الخوف، وسوف تبقى. أسوأ شيء في الوحشية تفاهتها، والتنظير لها. فمن أجل أن تبرر تفاهتها، يجب أن تصورها على أنها عمل عظيم، ولها أهداف كبرى ومعانٍ كثيرة... لكنه في نهاية الأمر مجرم تافه، سواء كان اسمه راسكولينكوف أو تارانت!

نقلا عن الشرق الاوسط
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وسادة نيوزيلندا وسادة نيوزيلندا



GMT 08:51 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

أين نحن من المفاوضات الدولية مع إيران؟

GMT 08:50 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

المعرفة التي قتلت لقمان سليم

GMT 08:46 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

لقمان سليم وتوحش النظام الإيراني

GMT 08:44 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

4 مليارات ثمن 12 بيضة

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد

GMT 02:03 2020 الإثنين ,25 أيار / مايو

شاب يلقي بنفسه في نيل سوهاج بسبب فتاة

GMT 16:24 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

مؤشر سوق مسقط يغلق التعاملات على انخفاض

GMT 09:03 2019 الأحد ,14 تموز / يوليو

تعرف على أسعار أوبل "أسترا" 2020 في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt