توقيت القاهرة المحلي 13:15:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

المثقف كاتباً رثاءه

  مصر اليوم -

المثقف كاتباً رثاءه

بقلم: سمير عطا الله

ما من غرابة في رحلة الطيب تيزيني، ولا في رحيله: مثل كل مفكر عربي يبدأ قومياً فتفجعه الخيبة، فينتقل إلى الماركسية فيفجعه الفشل، فينتقل إلى خليطهما فتفجعه اللامبالاة العربية، فيعود إلى بيته الأول لكي يكتب مرثياته على شكل سيرة ذاتية.
صورة المثقف في مواجهة النظام وفظاظته، ثم في مواجهة المجتمع وهشاشته، وفي النهاية خوائه، ثم في مواجهة المثقفين وضعفهم أمام القضايا ومللهم من صعوبتها. بعدما كتب طويلاً في أحلامه، ولم يلق من عالمه سوى الخراب، عاد يموت بين خرائب حمص. صادق جلال العظم أغرته المنافي الطويلة بالعودة إلى دمشق، ولو في تسوية صعبة، لكنه اكتشف بعد سنوات أنها تتطلب الابتهاج بمنحه خطاً هاتفياً وتقديم الشكر على ذلك، باعتباره دليلاً من دلائل الحرية الفكرية. فجمع حوائجه وغادر إلى ألمانيا، التي علمته فلسفة هيغل وكانط وجماليات غوته.
المثقف والسلطة مسألة قديمة جداً، وليست خاصية عربية في جملة خواصنا. حتماً بدأت قبل أن يحمل سقراط على الانتحار بتناول السم لكثرة ما أزعج من خواطر، هو وأسئلته وإصراره على المثاليات. ويقول البعض إنه أصر على تجرع السم، ليس من أجل الحقيقة، بل هرباً من زوجته. وسوف يهرب تولستوي من زوجته أيضاً، ويموت في محطة قطار، فيما لحقت به صارخة: ماذا فعلت لك يا زوجي الحبيب!
بعد نهاية الاتحاد السوفياتي وفتح أدراج الأرشيف، عثر على تلك الرسائل التي بعث بها بعض كبار الأدباء والمفكرين، يطلبون خدمات من ستالين، من نوع مضحك. أو تافه. لكنه مضحك أو تافه في المجتمعات المفتوحة. أما في موسكو، فكان عليك أن تنتظر ست سنوات لتحصل على إذن بشراء سيارة «لادا». يروي توفيق الحكيم كيف كان يتعيَّن على أديب كبير أن يطلب رضا ضابط صغير لقاء فقط أن يعامله بشيء من الاحترام.
المثقف والسلطة علاقة معقدة. إنه متهور وضعيف. ولذلك، لا يؤتمن. ومثل نجيب محفوظ والحكيم ويوسف إدريس يجب أن تبقيه دائماً في مدى سطوة الرقابة والرقيب. عندما تخطى الطيب تيزيني عمر الخوف من الرقابة، عاد إلى حمص مفضلاً ركامها على حدائق المنفى في باريس. يحدث ذلك غالباً لجميع المثقفين. يعيشون شجعاناً في عبور الحياة، وبالشجاعة نفسها، يهيئون لليوم الأخير. الشجاعة كانت آخر صفات الطيب، فلا قيمة لها في بلادنا. صفته الكبرى كانت كثافة ثقافته.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المثقف كاتباً رثاءه المثقف كاتباً رثاءه



GMT 08:51 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

أين نحن من المفاوضات الدولية مع إيران؟

GMT 08:50 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

المعرفة التي قتلت لقمان سليم

GMT 08:46 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

لقمان سليم وتوحش النظام الإيراني

GMT 08:44 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

4 مليارات ثمن 12 بيضة

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt