توقيت القاهرة المحلي 00:08:13 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الاجتياح الرقمي

  مصر اليوم -

الاجتياح الرقمي

بقلم: سمير عطا الله

هناك ألف سبب للدّفاع عن الحضارة الحديثة، وهناك ألف سبب أو أكثر لتوجيه التّهم إليها. وسوف نظلّ منقسمين حولها أحياناً كفرقاء، وغالباً ضمن الذات الإنسانية نفسها. لقد وصلت الحداثة بنا إلى درجتين: واحدة لا غنى عنها، وأخرى لا تُطاق. الأولى هي طبعاً بديهيات الحياة كالتطوّر في الطب والعلاج والتنقّل والتصنيع وتخفيف عبء العمل والجهد على البشر، والثانية في أن هذا العالم الذي أصبح في حجم كرة زجاجية صغيرة، يوزّع في لحظة واحدة على جميع سكّان الأرض، توتّراً نفسياً مخيفاً بسبب ما يصل إلينا كل لحظة من أنباء الحروب والمجازر والكوارث والكراهيات وجنون الغرائز القاتلة.
كان الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين يقول إنه شبّ في عصر الإذاعة التي رآها تطغى على حياة الناس، مرّة تفرّق بينهم ومرّة توحّدهم وتنقل إليهم الغناء والطرب والموسيقى والأعمال الفكرية، ثم أصبح في مرحلة التلفزيون الذي دخل البيوت ومعه تأثيراته المصوّرة والأكثر تأثيراً من الإذاعة. وقد توفّي ذلك المفكّر الرائع والعربي الناصع، قبل أن يطغى علينا هذا السحر غير المتخيّل، الذي انتقل إلى منازلنا وهواتفنا وسياراتنا ومطاعمنا ومدارسنا، تحت مسمّيات كثيرة، مثل «فيسبوك»، و«تويتر»، و«إنستغرام»، و«واتساب». فقد أصبح جزء كبير من حياتنا تحت رحمة مارك زوكربيرغ وآلاته السحرية، يوجّه المجتمعات كما يشاء، ويشعل الفتن، ويحدّد لنا معاني ثقافاتنا. وليس أدلّ على مدى طغيانه في مجتمعات العالم، أكثر من أنه أصبح أغنى رجل في العالم.
لقد أصبح قادة العصر مجموعة من السحرة الذين يملأون علينا ذرّات الكون، مليون ضعف أكثر من الإذاعات، وألف ضعف على الأقل من التلفزيون. فالمدخل إلى هذه الشبكات صار في متناول أبناء العاملين أو أكثر قليلاً. وسوف تجد ملايين البشر من دون سيارات، لكنك لن تجد، حتى في الأدغال، بشريّاً واحداً من دون هاتف جوّال. وقد أثار سفّاح نيوزيلندا أخلاقيات السحر الحديث، من جديد. ولم تنفع طبعاً اعتذارات زوكربيرغ، فلا خروج من هذه الدائرة الجهنّمية، إلا في نجاحات محدودة وجزئية. كما نقلت إلينا الإذاعات، عناصر التقدّم والتخلّف، وكما كان التلفزيون باباً للعلم وللجريمة في وقت واحد، هكذا نواجه الآن المحنة التي وضعها أمامنا العالم السيبراني. إنه يوفّر الدروس لأهل الغابات في أفريقيا، ويوفّر أساليب الجريمة المعلنة للسفّاحين ومرضى العقول في كل مكان. وقبل أن يصبح شيئاً قديماً وبعيداً مثل الإذاعة والتلفزيون، سوف يمزّق الكثير من الروابط البشرية لقاء حصولنا على ما يُسمّى بالتواصل الاجتماعي. صحيح أنه تواصل اجتماعي في معظم الأحيان، وصحيح أيضاً أنه يدمّر المجتمعات ويضعها أمام احتمالات الانهيار.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الاجتياح الرقمي الاجتياح الرقمي



GMT 08:51 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

أين نحن من المفاوضات الدولية مع إيران؟

GMT 08:50 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

المعرفة التي قتلت لقمان سليم

GMT 08:46 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

لقمان سليم وتوحش النظام الإيراني

GMT 08:44 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

4 مليارات ثمن 12 بيضة

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt