توقيت القاهرة المحلي 21:15:29 آخر تحديث
  مصر اليوم -

طريقان إلى فظاعة واحدة

  مصر اليوم -

طريقان إلى فظاعة واحدة

بقلم: سمير عطا الله

ينطبق وصف إبراهيم العويساوي على ملايين الشباب في العالم العربي والإسلامي وسائر الأرض: أسرة فقيره وفشل في الدراسة وبطالة وإدمانات، وما يرافق مثل هذه الحالات من مسالك الحياة. الإسلام يساعد هؤلاء البؤساء على تحمل هذا الأسى والصبر عليه والسعي في سبيل حياة أفضل، الذي جعل العويساوي يسافر من إيطاليا إلى فرنسا ويغير ثيابه في محطة القطار، ويستحم ويذهب إلى الكنيسة القريبة لكي يذبح أول من يطالعه فيها، ليس الإسلام. فالذين ذبحهم فقراء مثله وبينهم أم أفريقية تعمل شغالة في الكنيسة.
لو كان كل بائس سيلجأ إلى خيار العويساوي لما بقي على الأرض أحد. لكن الذين يستغلون الضلال في ضعاف النفوس والعقائد والأحزاب، يبحثون عن أمثاله في المستنقعات الخصبة للساعات المحددة. إذا كان العويساوي - ومن خلفه – يريد الانتقام من الإساءة للرسول، فقد أساء بهذا العمل إلى الرسالة برمتها، وعنوانها الرحمة والغفران.
أساء العويساوي إساءة كبرى إلى ما كان يمكن أن يتحول إلى جدل (بالتي هي أحسن) مع المشروع الذي طرحه إيمانويل ماكرون على مواطنيه، بينهم ستة ملايين مسلم، أكثريتهم الساحقة خارج دعوات التطرف وتنظيماته وثقافة دهس الأبرياء بالشاحنات، أو حز أعناقهم في الطرقات.
أيقظ رسم كاريكاتوري تافه حرباً حول مسألتين أهم بكثير من الرسم والرسامين: الأولى حرية الإيمان، والثانية الحرية المدنية. وكلتاهما لا تتركان للغلو، هنا أو هناك، ولا لبطولة رسام أرعن أشعل منذ سنين حريقاً لا يزال يتوسع. فالحرية في فرنسا تستطيع أن تعيش من دون السماح بنشر وإعادة نشر ما هو تحدٍّ للمبادئ والبديهيات العامة في كل مكان، والإسلام لا يثأر له شاب طلب العِلم فعلموه ذبح العجائز وهم يبتهلون إلى الله.
يعيش العالم كله في اضطراب وخوف وتوتر وقلق ويأس. ويزيد في هشاشته في مثل هذه الحال الذين يشدون الأوتار ليلعبوا عليها ألحان الشر. وربما لم ينتبه رجب طيب إردوغان يوم الجمعة الماضي، أن الزلزال الذي ضرب إزمير المسلمة ضرب اليونان المسيحية في اللحظة نفسها. فالقدر الإنساني واحد، وهو محاولة إطفاء الحرائق ولملمة جروح الزلازل. أما التطرف الصغير والتطرف الكبير فهو واحد. والمناخ الذي نشره إردوغان في كل مكان، يؤدي إلى ازدهار مناخين: واحد يرى أن الحرية هي في نشر صور عديمة الخلق تسيء إلى الرسول ومئات الملايين من المؤمنين، والثاني ذرى في إشعال الحروب والعودة إلى القرون الوسطى، بطولة ونموذجاً.
في مثل هذا الانقسام المفزع بين عالمين، تكبر مسؤولية عقلاء الأرض. وتكبر مسؤولية مدركي المسؤوليات، ويحاول أهل هذا العالم أن يفهموا كيف أن رجلاً مثل العويساوي حرص بكل عاطفة أن يسمع صوت أمه قبل أن ينفلت في مذبحة تطال أولاً عنق أم أفريقية تركت خلف رأسها المقطوع ثلاثة أطفال. رسوم «شارلي إيبدو» الحقيرة وخطابات الكراهية تؤدي إلى فظاعة واحدة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

طريقان إلى فظاعة واحدة طريقان إلى فظاعة واحدة



GMT 16:27 2025 الأحد ,24 آب / أغسطس

سلامٌ.. من أجل القمح

GMT 01:56 2024 السبت ,11 أيار / مايو

شعب واحد في بلدان كثيرة

GMT 01:48 2024 السبت ,11 أيار / مايو

من النهر للبحر... هناك مكان للجميع

GMT 01:31 2024 السبت ,11 أيار / مايو

عالم الحروب وسلام «كانط» الدائم

GMT 01:28 2024 السبت ,11 أيار / مايو

اتفاق غزة... الأسئلة أكثر من الإجابات!

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 01:47 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

نيمار يطلق اعترافًا مؤثرًا عن حلمه في كأس العالم 2026
  مصر اليوم - نيمار يطلق اعترافًا مؤثرًا عن حلمه في كأس العالم 2026

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt