توقيت القاهرة المحلي 14:17:13 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أدب الحَجْر

  مصر اليوم -

أدب الحَجْر

بقلم : سمير عطا الله

هذا هو اليوم الثامن من الحجر الذاتى داخل المنزل، والحمد لله على هذه الشرفة وجميع الشرفات. أتذكّر الذين أمضوا أعمارهم مُقعدين، حجر الدهر عليهم وجعل عالمهم بضعة جدران. أحدهم كان مارسيل بروست، أشهر كُتّاب فرنسا. كان «بروست» مصابًا بالربو، لا يستطيع أن يفتح نافذة غرفته المليئة بالستائر السميكة. أدرك الشاب أن الغرفة المُعقَّمة حُكمٌ مدى الحياة، فراح يبحث عن وسائل القوة عنده: الذاكرة.

راح يتذكر ويكتب «بحثًا عن الزمن المفقود»، التى سوف تصبح تحفة الرواية الفرنسية وإحدى تحف الأدب العالمى، فإذا كانت حياتنا متحركة، «فإن الذاكرة فى مكانها». هكذا راح يعتصرها بالثوانى والتفاصيل، غير مدرك أن الحاصل سوف يشكّل أحد أهم الأعمال فى أدب الرمز، فى جميع لغات العالم.

كان المهم شيئين: أن يتذكر وأن يكتب.. جملًا قصيرة وجملًا طويلة، إحداها بلغت 365 كلمة. وفى أخرى وصف مُوسَّع لمنديل على مائدة الطعام، ومن أى قماشة صُنع، أو صوت مرور المياه فى قساطل المبنى، ومن ثَمَّ يدخل فى تأملات روحية ونفسية حول كل الخواطر. كل ذلك يتلقفه «بروست» بأسلوبه الإيقاعى الجميل. ولم يكن يدرك أنه يقدم مادة فائقة للأدب العالمى فحسب، بل تحولت روايته إلى موضع دراسة عند علماء النفس وعلماء الأعصاب.

مُسجى على سرير الأمراض، عاش أيضًا الشاعر الملحمى بولس سلامة «عيد الرياض». سنوات وهو لا يرى سوى سقف الغرفة، ومع ذلك يكتب الشعر والنثر والدراسة الفلسفية الممتعة، كما فى كتابه «الصراع فى الوجود». مثل «بروست»، كانت الذاكرة أهم ما يملك. وقد عاد إليها حرفًا حرفًا ويومًا يومًا. ومن غرفته، أو محجره، استعاد مشاهد الزمن المفقود وجعل منها أعمالًا أدبية كبرى، مثل «مذكرات جريح» و«حكاية عمر» و«مِن شرفتى»، وهى جميعًا أجزاء من سيرة ذاتية حتى سن الخامسة والثلاثين، عندما أقعده حادث صحى وهو يقوم بعمله قاضيًا فى مدينة طرابلس.

ماذا تسمى ذلك؟ أدب الحجر، أدب العزلة، أدب الوحدة، أدب الأسر؟ السجون أعطت هى أيضًا آدابًا كبرى، خصوصًا فى السياسة: سولجنتسين الروسى، وناظم حكمت التركى، ودوستويفسكى، وكثيرون ممن فقدوا زمانهم ضمن جدران ضيقة وخلف نوافذ لا يمكن فتحها، إما قهرًا بالمرض وإما سطوة بالشاويش. والأعمال العربية لا تُحْصَى فى هذا الباب، كأنما السجون شرط للرواية والمذكرات.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أدب الحَجْر أدب الحَجْر



GMT 10:17 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

ممدوح عباس!

GMT 10:15 2024 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

القديم والجديد؟!

GMT 08:23 2024 الخميس ,04 تموز / يوليو

المبحرون

GMT 08:21 2024 الخميس ,04 تموز / يوليو

قرارات أميركا العسكرية يأخذها مدنيون!

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات

GMT 07:33 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

فان دى بيك يؤكد أن الجميع يتحمل السقوط الأوروبي لليونايتد

GMT 02:03 2020 الإثنين ,25 أيار / مايو

شاب يلقي بنفسه في نيل سوهاج بسبب فتاة

GMT 16:24 2020 الأربعاء ,20 أيار / مايو

مؤشر سوق مسقط يغلق التعاملات على انخفاض

GMT 09:03 2019 الأحد ,14 تموز / يوليو

تعرف على أسعار أوبل "أسترا" 2020 في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt