توقيت القاهرة المحلي 21:01:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كأس أفريقيا في المغرب... احتفال بالقيم قبل النتائج

  مصر اليوم -

كأس أفريقيا في المغرب احتفال بالقيم قبل النتائج

بقلم: لحسن حداد

كرة القدم هي أكثرُ من مجردِ تنافسٍ رياضي؛ إنَّها فضاء رمزيٌّ للهوية ومنصة للقيم. وهي تختبر قدرةَ الشعوب على العيش المشترك، والانضباط الجماعي، والاحتفال داخل منظومة تتعايش فيها الذواتُ والانتماءاتُ في توازنٍ دقيق بين الاختلاف والوحدة.

وفي أفريقيا تحديداً، تحمل كرة القدم شحنةً تاريخية كثيفة، حيث يمتزج اللعبُ داخل الملعب، والتفاعل في المدرجات وأمام شاشات التلفزيون، بذاكرة التَّحرر وبحلم الوحدة العابرة للحدود. وتنظيم المغرب لكأس أفريقيا ليس فقط نجاحاً متميزاً، بل هو أيضاً اختبار لقدرة الرياضة على إنتاج معنى حضاري يمسّ الهوية المغربية والأفريقية في تفاعلها، وتجلياتها، وتعايشها الواقعي والممكن.

كل الشعوب الأفريقية التي أتت إلى المغرب، المتميز بحفاوته الطائية، جسدياً أو رمزياً عبر الشاشات، تحتفل يومياً، طيلة هذا الشهر، بهذه اللحظة الأفريقية الاستثنائية التي تجسد أفريقيا التي تريدها الأجيال، والحلم الذي تتطلع إليه كل الأعمار: أفريقيا منظمة، محتفلة بقيم التنافس الشريف، والانتصار (مع قبول الهزيمة كذلك)، مندمجة في مسار احتفالي نابض بالرقص والغناء واللباس والتعدد الثقافي. والتنظيم لا يُقاس بالخطاب، بل بالبنية التحتية المتميزة، وبجودة استقبال الفرق والجماهير.

لكن الاستقبال لا يُقاس فقط بالاحترافية المؤسساتية، بل كذلك بالحفاوة الشعبية، وسهولة تنقل الجماهير، وانضباط الجمهور المغربي وتفاعله الإيجابي مع الجماهير الأفريقية الأخرى، والاحتفال النظيف، ودعم مختلف المنتخبات في روح رياضية احتفالية، داخل فضاء جامع يوحّد ولا يفرّق. التنظيم قوة ناعمة في حدّ ذاته، وهو دليل على القدرة المؤسسية للبلد المضيف، وعلى تجذّر الحفاوة في ثقافته.

المشجّع الكونغولي، ميشال مبولادينغا، لفت الأنظار وهو يجسّد، في كل مباراة ولمدّة ساعات متفرقة، وقفة باتريس لومومبا، فأصبح نجماً للجماهير الأفريقية، مجسّداً الاحترام وذاكرة التحرر لأحد أبرز رموز الكفاح الأفريقي ضد الاستعمار. لقد حوّل حضوره الصامت إلى رسالة رمزية قوية تختزل الكرامة والذاكرة والاعتراف بالتاريخ المشترك.

قيم كرة القدم تعني الاحتفال بالنصر، كما تعني أيضاً قبول الهزيمة بروح رياضية عالية. فلا يجوز الهجوم على الحكام أو ممارسة العنف ضد الفريق المنتصر.

واللاعبون يظلون قدوة للجماهير وللناشئة؛ فإذا تشاجر اللاعبون واعتدوا على الحكام، فماذا يُنتظر من الجمهور؟ إن الرياضة لا تكتسب معناها الكامل إلا حين تتحول إلى مدرسة للانضباط، واحترام القانون، وضبط الانفعال. والبعد الأخلاقي للرياضة هو أحد أرقى أهداف التباري والتنظيم والاحتفالية، وهو ملازم للتعدد الثقافي الذي تحتضنه المباريات. فالرياضة تعكس مدى نضج المجتمعات ومتانة مؤسساتها. واللعب النظيف شرط أساسي لكي تمر المباريات في جو تنافسي شريف، ويكون الحسم في النهاية للأجدر تقنياً وبدنياً، لا غير.

ما يميّز هذه الكأس هو الغياب شبه التام لمظاهر العنف والسلوك اللاأخلاقي، باستثناء مباراة واحدة فقط، وهو تطور إيجابي كبير يُحسب لهذه التظاهرة. نعم، علينا أن ننبذ سلوكات بعض اللاعبين الذين لم يتقبلوا الهزيمة بروح رياضية.

لقد بدت صورة كرة القدم الأفريقية، والثقافة الأفريقية، وصورة أفريقيا لدى العالم كفضاء توحّده قيم العيش المشترك، والتنافس النزيه، والعطاء، والاحترافية في التنظيم والاستقبال ناصعة. كأس أفريقيا ليست مجرد بطولة رياضية، بل لحظة حضارية ساهم في بنائها البلد المنظِّم، المغرب، بما أبداه من احترافية عالية، وساهم فيها الشعب المغربي بحفاوته، كما أسهمت فيها الشعوب الأفريقية باحتفاليتها الغنية وتعددها الثقافي الخلّاق، واللاعبون بما قدّموه من صورة إيجابية عن المؤهلات والمهارات الأفريقية.

القيم ليست خطاباً يُرفع، بل ممارسة يومية في الملعب، وفي المدرجات، وعلى صفحات الجرائد، وفي الفضاء الرقمي. هناك تُختبر المصداقية الجماعية، وهناك تُبنى صورة أفريقيا التي نريدها ونستحقها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كأس أفريقيا في المغرب احتفال بالقيم قبل النتائج كأس أفريقيا في المغرب احتفال بالقيم قبل النتائج



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 10:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 10:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"

GMT 06:12 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

آمال بدر تكشف عن أبرز الأفكار لتزيين المنزل بـ"الباسكت"

GMT 11:07 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

موديلات أحذية عملية ومريحة لاطلالات الجامعة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt