توقيت القاهرة المحلي 07:05:08 آخر تحديث
  مصر اليوم -

خمسٌ وعشرون سنة من هندسة التغيير في المغرب

  مصر اليوم -

خمسٌ وعشرون سنة من هندسة التغيير في المغرب

بقلم: لحسن حداد

حين تُقارِن مغربَ 1999، سنة تربُّعِ الملك محمد السادس على عرش المملكة المغربية، ومغرب 2024، تجد أن البلد تحوَّل من دولة إقليمية متوسطة الدخل، ذات اقتصاد لا بأس به، ضعيفٍ في بعض جوانبه، ومستحسنٍ في جوانب أخرى، إلى دولة فاعلة إقليمياً وقارياً ودولياً، ذات اقتصاد متنوع ونشيط وذي مناعة قوية، تتمتع بناتج داخلي يقارب 160 مليار دولار، مستعدة لولوج نادي الدول الصاعدة في غضون السنوات العشر المقبلة.

ماذا وقع؟ ما الأسباب التي جعلت الاقتصاد المغربي ينمو بهذه الوتيرة، وجعلت الناتج الداخلي يتضاعف أكثر من 3 مرات، وأدَّت إلى نمو الطبقة الوسطى بشكل ملحوظ، وتسبَّبَت في انخفاض الفقر إلى أدنى مستوياته، وأكْسبَتْ المقاولات قدرة تنافسية مشهوداً لها دولياً، خصوصاً على مستوى «المهن العالمية للمغرب»؟

يحتاج التغيير لريادة، والريادة هي انتصار للسياسة، لأن التغيير لا يكون بالمقاربة ‏التكنوقراطية المحدودة. لهذا، فمغرب «العهد الجديد» الذي أسّس له الملك محمد السادس عرف منذ اللحظات الأولى رغبة ملحة في تقويم الاعوجاجات وسن السياسات العمومية الجريئة ومواجهة التحديات بحسّ سياسي قوي. والريادة تعني اعتماد رؤى مستقبلية واضحة، وهذا ما تبناه الملك محمد السادس، سواء ما يخصّ الدمقرطة والتحديث السياسي أو السياسات الاقتصادية القطاعية أو مقاربات اجتماعية تتوخى محاربة الفقر والهشاشة وتمكين الفئات المهمَّشة.

وتقتضي الريادة كذلك نوعاً من الإحساس بمعاناة الآخرين، ووضع أنظمة للتتبع والمساءلة، واتخاذ القرارات، وتفويض المسؤولية، والتعلم المستمر والاستفادة من الدروس، وهذه كلها ممارسات أصبحت لازمة للسياسات العمومية، وكانت تأتي بإيعاز من الملك محمد السادس الذي كان ولا يزال يستعمل المناسبات الرسمية للتواصل (والتواصل ركن من أركان الريادة كذلك) ووضع التصورات والمقاربات التي تُلهِم وتُحَفِّزُ الفرقاء في عملهم وخططهم وطرق تدبيرهم.

سببٌ آخر جعل المغرب يخطو خطوات جبارة نحو التحديث والدمقرطة منذ 1999 حتى الآن، هو الجرأة وعدم الخوف، سواء من الماضي أو الحاضر أو المستقبل. هكذا قاد الملك محمد السادس المغاربة للتصالح مع الماضي بآلامه وجراحه، وقاد تغيير مدونة الأسرة لتعزيز حقوق المرأة، مع إعمال مبدأ الاجتهاد فيما يخص القضايا التي لها ارتباط بالدين. وواجه المغرب بقيادة الملك محمد السادس رياح الربيع العربي الساخنة بشجاعة فريدة، حين اقترح تغيير الدستور والتجاوب مع مطالب ما يسمى بـ«شباب 20 فبراير». ورغم جائحة «كورونا» والأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي خلَّفتها، فإن العاهل المغربي أكد على ضرورة الاستثمار في القدرات بتبني منظومة شاملة للحماية الاجتماعية.

ولكن الطريق خلال الـ25 سنة لم تكن دائماً مُعبَّدةً ودون عقبات ولا تحديات. عوَّد الملك محمد السادس المغاربة على قول الحقيقة حين لا تؤدي السياسات إلى الأهداف المنشودة. هكذا في 2017، نادى بوضع نموذج تنموي جديد، لأن الإصلاحات وإن أعطت أكلها فإنها لم تحقق أهداف العدالة الاجتماعية والمجالية، ولم تؤدِّ إلى النمو المستدام والمطرد المنشود. وحين عرّت جائحة «كورونا» هشاشة المنظومة الاجتماعية، دعا العاهل المغربي إلى وضع منظومة متكاملة للتغطية الاجتماعية، تشمل التغطية الصحية الإجبارية والتعويضات العائلية والتعويض عن فقدان الشغل والتقاعد، مرفقة بتأهيل بنية الاستقبال والخدمات الصحية وإصلاح أنظمة التقاعد، في إطار حوار اجتماعي يؤدي إلى توافق سياسي بين كل الفرقاء الاجتماعيين.

وأظن كذلك أن أحد الأسباب التي أدت إلى التحولات الكبرى التي شهدها المغرب في عهد محمد السادس هو ما أسميه بـ«المقاربة المضادة للدورات». أي الاستثمار في زمن الأزمة. رفع المغرب من وتيرة الاستثمارات بعد الأزمة المالية لـ2008 وما تلاها من اضطرابات. الفكرة هي أنه في زمن الأزمة يجب الاستعداد لما بعدها. الحكومات التي تسلك طريق التقشف قد تحافظ على توازناتها الماكرو اقتصادية بشكل صارم، ولكنها لا تستثمر في المستقبل حين تمر العاصفة ويدق جرس إعادة الانطلاقة. في خضم تدبير مخلفات جائحة «كورونا»، أمر الملك محمد السادس بالاستثمار في القدرات البشرية للمغاربة، عبر تعميم التغطية الاجتماعية. هذا استثمار في المستقبل، لأن الأمن الصحي أساسي لمجتمع نشيط ومنتج وخالق للثروة.

أخيراً، التموقع في المستقبل من سمات الريادة. لكنها كذلك من سمات الحكامة الجيدة، لأن القادة الكبار يضعون الرؤيا، حول كيف يتصورون النجاح في المستقبل، التي على أساسها تُبْنى الاستراتيجيات وخطط العمل الحكومية التي يتم تنفيذها، عبر موازنات سنوية واضحة المعالم والمؤشرات. هذا التدبير بالنتائج هو أساس نجاح التجربة المغربية. العبرة بالنتائج، والنتائج المرحلية تؤسّس للنجاحات على مستويات أعلى، وهكذا دواليك، إلى أن تصل إلى تجسيد الرؤيا، أي الولوج إلى نادي الدول الصاعدة وتحقيق العيش الكريم لكل المواطنين، في إطار مجتمع حرّ وديمقراطي، واقتصاد مبني على المعرفة والثقافة واستدامة الموارد، وعلى إشعاع جهوي ودولي، يساهم في التعايش والسلم والتعاون بين الشعوب.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

خمسٌ وعشرون سنة من هندسة التغيير في المغرب خمسٌ وعشرون سنة من هندسة التغيير في المغرب



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt