توقيت القاهرة المحلي 09:28:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حسن الترابي... الساحر

  مصر اليوم -

حسن الترابي الساحر

حازم صاغية

جمع الشيخ حسن الترابي، الذي رحل عن عالمنا قبل أيّام، بين كونه «رجل نظر» وكونه «رجل عمل».
في «النظر»، نظّر وخطّط واقترح، وكان دائماً يواكب ما يظنّه ميلاً صاعداً، أو قابلاً للصعود، ويتوهّم أنّه بالمبادرة النشطة يزيده صعوداً.

فهو راد الحركة الإسلاميّة السودانيّة يوم كان همّها الأكبر محاربة الشيوعيّة وحزبها، أقوى الأحزاب الشيوعيّة في العالم العربيّ حينذاك. وكان الإغراء الذي يحرّكه إحلال الإسلاميّين محلّ الشيوعيّين بوصفهم الطرف «الحديث» الأوّل في السودان، والطرف الثالث بعد الختميّة والمهديّة. لكنْ في التسعينات، حين أصيبت الحركة الإسلاميّة براديكاليّة توهّمت أن تسدّ مسدّ الضمور الشيوعيّ، صار الترابي ذاك الأمميّ الإسلاميّ الأوّل، يستضيف كارلوس وأسامة بن لادن، ويمضي في ممارسة الأبوّة لنظام اشتُهر بـ «بيوت الأشباح»، مؤكّداً تطبيق الشريعة في مجتمع متعدّد، مع ما يعنيه ذلك من تسعير للحرب مع الجنوب. فما إن انهارت علاقته بالسلطة العسكريّة التي أنشأها ورعاها، وكان الزمن زمن ديموقراطيّة وحقوق إنسان، حتّى راح يتحفنا بفتاوى وُصفت بالتقدّميّة والليبراليّة، كمحاربة ختان الإناث وجواز إمامة المرأة الصلاة، وزواج المسلمة من كتابيّ، ورفض «عذاب القبر».

بيد أنّ من انتظروا من الشيخ نقداً أو مراجعة لدوره الشنيع خلال 1989 - 1999، فكانوا عن عبث يبحثون. فوق هذا، ظلّ نصّه ما إن يواجه مشكلة تستدعي الحسم والوضوح، يغيّب المسؤوليّة المحدّدة ويستعيض عنها بحذلقات لغويّة متفنّنة تستنجد بالطبيعة أو بالقدر لكي تحجب ما صنعه الإنسان.

وهو، في «العمل»، بنى تنظيماً حزبيّاً تحوّل على يديه تنظيماً ثالثاً في السودان، ودخل السجن سنوات في عهدي جعفر نميري وعمر البشير، كما تولّى مناصب رسميّة منها وزارة الخارجيّة ورئاسة البرلمان الصوريّ للبشير. وقد ساجل ضدّ أطراف في الحركة الإسلاميّة داخل بلده وخارجه، وضدّ قيادات «التنظيم الدوليّ» لـ «الإخوان». إلاّ أنّ الثابت في مساره كان الولع بالانقلاب العسكريّ. فمع نميري، كانت العلاقة تفاوضيّة حول حصص السلطة، فيها السجن وفيها المكافأة السلطويّة، وأهمّ منها الوعد بسلطة أكثر. أمّا مع البشير، وهو صنيعة الترابي، فالتفاوض لا مكان له لأنّ السلطة كلّها ينبغي أن تكون حصّة الأب المؤسّس الذي يحدّد للأبناء حصصهم.
وهنا، كان الأب، لا الابن، هو الشخص الضالّ. أمّا مردّ هذا الضلال فعجز كامل عن رؤية الذات والعالم على حقيقتهما وبأحجامهما الفعليّة، وإلاّ كيف يطمح من ليس بعسكريّ أو رجل أمن إلى ركوب سلطة أمنيّة وعسكريّة، يسيّرها بموجب ما تتفتّق عنه أفكاره؟
وما من شكّ في أنّ التكوين الشخصيّ للترابي هو ما ولّد عُظامه. فالرجل الذي استطاع ديموقراطيّاً الوقوف على رأس الكتلة الثالثة في برلمان 1986، آخر البرلمانات السودانيّة، لم يرض بأقلّ من انقلاب 1989 الذي يعطيه وحده كلّ السلطة. ثمّ، في السلطة، توهّم دوراً يحيل السودان إلى منصّة له كي ينطلق إلى أمميّته الإسلاميّة.

لقد أنتج لقاءُ رجل النظر ورجل العمل في حسن الترابي رجلَ السحر الذي صاره. والسحر، وسط شعوبنا التي لا تكفّ عن طلب الانسحار، مجلبة للعظمة ومجلبة للسجن اللذين قضى الشيخ الراحل حياته وهو يتقلّب بينهما. هكذا يغدو الساحر مسحوراً ببضعة أوهام وبضع كلمات.

وكثيرون مثل الترابي تقلّبوا بين العظمة والسجن، وكثيرون سوف يتقلّبون في عالمنا الساحر - المسحور هذا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حسن الترابي الساحر حسن الترابي الساحر



GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

GMT 07:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أمريكا والصين !!

GMT 07:14 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ترامب كان يستطيع

GMT 07:12 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الرابطة العربية

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:29 2025 الثلاثاء ,03 حزيران / يونيو

بيراميدز يجهز مصطفى فتحي لنهائي الكأس أمام الزمالك

GMT 13:07 2025 الأربعاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

الزمالك يتمسك باستمرار المغربي محمود بنتايج ويرفض رحيله

GMT 11:15 2023 الجمعة ,01 أيلول / سبتمبر

عام دراسي يتيم في اليمن
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt