توقيت القاهرة المحلي 00:55:29 آخر تحديث
  مصر اليوم -

دفاعاً عن قدْر من اللا أدريّة في تحليل عالمنا

  مصر اليوم -

دفاعاً عن قدْر من اللا أدريّة في تحليل عالمنا

بقلم - حازم صاغية

في الحقبة العريضة المنصرمة التي دامت قرناً ونيّفاً، شهد العالم أربعة تطوّرات كبرى تعارفنا على تصنيفها انتكاسات كبرى.

ففي 1914 اندلعت الحرب العالميّة الأولى التي جاءت «تتويجاً» لم ينتظره أحد لـ «الزمن الجميل» في أوروبا. ذاك أنّه منذ الحرب الفرنسيّة البروسيّة وقيام الوحدة الألمانيّة في 1871، بدا أنّ القارّة استقرّت على حال واعدة. فحدودها الداخليّة رُسّمت، سيّما وأن إيطاليا شهدت هي أيضاً وحدتها في السياق ذاته. وبعدما صارت الحروب النابوليونيّة تنتسب إلى ماضٍ بعيد جدّاً، انضوت في ذاك الماضي الأحداث الثوريّة الكبرى كالتي عرفها عاما 1830 و1848. لكنّ «الزمن الجميل» كان أيضاً زمن بحبوحة اقتصاديّة شرع السكّان معها يحصدون ثمار الثورة الصناعيّة، وكان زمن تقدّم علميّ وتقنيّ هائل ربط للمرّة الأولى في التاريخ بين أطراف العالم، بالطرق والجسور وسكك الحديد والقنوات، فضلاً عن ربطه أطراف البلدان الأوروبيّة نفسها. وعلى الصعيد السياسيّ كان يتبدّى أنّ النمط الديمقراطيّ شرع يستقرّ ويتمدّد، وأنّ روسيا القيصريّة المتأخّرة، المنزوية في الشرق، تغدو أشبه باستثناء مُنفّر كبير.

وبعد تأسيس «عصبة الأمم»، التي استوحاها الرئيس وودرو ويلسون من أفكار إيمانويل كانط (وكان ويلسون أستاذاً في برينستون يدرّس فلسفة كانط)، تراءى أنّ قواعد جديدة قد ارتسمت لعالم ما بعد الحرب العالميّة الأولى، وأنّ القواعد هذه سوف تقي بشر المعمورة الحروب والكوارث. لكنْ لا. فالتوحّش النازيّ والفاشيّ أمسك بعنق أوروبا وهدّد العالم بأسره، فيما كانت الستالينيّة تصلّب نموذجاً بالغ الاستبداديّة في حكم الملايين. وفي آخر المطاف جاءت الحرب العالميّة الثانية ترفع عدد قتلى الحروب من تسعة ملايين في الحرب الأولى إلى ما بين خمسين وستين مليوناً، كما تزيد نسبة المدنيّين القتلى إلى المقاتلين بمعدّلات غير مسبوقة.

وانتهت الحرب تلك بهزيمة النازيّة، ثمّ نشأت الأمم المتّحدة وريثاً لـ «عصبة الأمم» أصلب منها وأفعل، وكانت محاكمات نورمبرغ، كما انتشرت صرخة «لن يحدث ثانيةً أبداً» بوصفها درساً مستفاداً من المحرقة اليهوديّة، وبدوره طوّر القانونيّ البولنديّ نظريّةً في «الإبادة» أُقرّت دوليّاً، وهذا فيما كانت تنطلق، ابتداء بالهند الكبرى في 1947، حركة الاستقلالات ونزع الاستعمار في «العالم الثالث». لكنْ سريعاً ما أطلّت الانتكاسة الثالثة، من ألمانيا ومن كوريا، مع نشوب الحرب الباردة في فجر الخمسينات. وبوضع الأخيرة أوزارها أواخر الثمانينات، وانهار الجدار الشهير، عمّ التفاؤل بشيوع الديمقراطيّة وزوال الأنظمة العنصريّة وتسوية المشكلات الإقليميّة المزمنة. وبالفعل تحقّقت إنجازات على هذا الصعيد، إلاّ أنّ المذابح، المصحوبة بانهيار الدول، راحت تتسارع هي الأخرى على صعيد آخر. فمن البوسنة ورواندا وميانمار إلى أوكرانيا وسوريّا وغزّة والسودان...، تبيّن أنّه «يحدث ثانيةً» بالفعل، وأنّ الحرب الباردة لم تنته إلاّ لتبدأ حروب ساخنة كثيرة في سائر بقاع الأرض. وفي الآن نفسه، استولت الشعبويّة على السياسة في الأغلبيّة الساحقة من بلدان العالم المؤثّرة وفي الكثير من عموم بلدانه. وها هي المباراة الرثّة والمحزنة بين مرشّحي الرئاسة في أميركا، أو نتائج الانتخابات الأوروبيّة في فرنسا، تُنبئنا بأنّ السياسة تعاني الأمرّين في البلدان التي ابتكرت السياسة بمعناها الحديث.

بطبيعة الحال تحظى أعمال التعليل والسببيّة، وعلى نحو دائم، بأهميّة مطلقة، لكنْ ربّما بات مطلوباً أيضاً قدر من التواضع أكبر، قدرٌ نقتنع معه بأنّ تحليل المشكلات ليس بالضرورة حلاًّ لها، خصوصاً متى تولّى التحليلُ، بهمّة الإيديولوجيّين العُتاة، تنصيب سبب واحد وحيد تُفسَّر به المشكلات من غير استثناء.

ذاك أنّ في وسعنا، ونحن نحصي الأسباب، أن نعدّ كلّ عنصر تقريباً بوصفه مالكَ سهمٍ في الانتكاسات، والكثيرُ من تلك العناصر نقائض ينفي واحدُها الثاني. فمن نقص التحديث إلى الإفراط في التحديث، ومن اللاعقل إلى العقلانيّة الصافية، ومن تفكّك الإمبراطوريّات إلى بناء الامبراطوريّات، ومن إنشاء المستعمرات إلى الفشل في امتلاك مستعمرات، ومن تصدير الرساميل إلى الامتناع عن تصديرها، ومن النيو ليبراليّة إلى الشيوعيّة، ومن الإسلام السياسيّ إلى رُهاب الإسلام، ومن اللاساميّة إلى الصهيونيّة، ومن امّحاء الهويّات إلى انتفاخها...، تزدحم أسباب صالحة كلّها لأن تفسّر انتكاساتنا السابقة والراهنة. فكأنّنا، نحن البشر، يستولي علينا عجز باهر عن تحديد نقاط تتوازن عندها المعاني والمسؤوليّات وعن الإقامة فيها، أو البناء عليها.

وإذا استبعدنا الكلام في «طبيعة البشر» و»طبائع الشعوب» و»أصل الشرّ»، بقي أنّ قدْراً من اللا أدريّة التحليليّة ربّما كان مفيداً، خصوصاً وأنّ ما نسمّيه انتكاسة إنّما يتبدّى جزءاً من التاريخ لا يقلّ أصالة ورسوخاً عمّا نسمّيه صعوداً أو تقدّماً أو استقراراً أو غير ذلك من أسماء حسنى لا تعمّر أكثر ممّا تعمّر الانتكاسات.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دفاعاً عن قدْر من اللا أدريّة في تحليل عالمنا دفاعاً عن قدْر من اللا أدريّة في تحليل عالمنا



GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 09:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات

GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt