توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الثقافويّة والثقافويّة المقلوبة

  مصر اليوم -

الثقافويّة والثقافويّة المقلوبة

بقلم : حازم صاغية

مع قيام الثورات العربيّة ظهرت أصوات نعتها نقّادها بـ «الثقافويّة». فهي تغضّ النظر عن السياسة والسلطة لتركّز على نقد الدين والقيم. بهذا، تحوّل الأنظار عن الاستبداد، إن لم تتحوّل عوناً له. المهمّة المباشرة والحارقة في طلب الحرّيّة تُستبعد لمصلحة المهمّة التي هي عمليّة تاريخيّة مديدة وتثقيفيّة كبرى.

عيب الثقافويّة هذه ليس بالضرورة في النقد الذي توجّهه للثقافة، وكثير منه وجيه وفي محلّه، بل في النقد الذي لا توجّهه للسياسة. والنقد الأخير ليس بديلاً عن النقد الثقافيّ، إلاّ أنّه شرط لجدواه. ففقط بعد نيل الحرّيّة، وفي بيئة الصراع لإحرازها، يتاح للمواطنين أن يتصدّوا لأسئلة عالمهم ولأفكاره، بموجب تجاربهم ومصالحهم. وفي مناخ الحرّيّة السياسيّة والتعبيريّة وحدها، يأتي النقد الثقافيّ موصولاً بالاختبار العمليّ، لا بالطرف السلطويّ الذي يستخدم هذا النقد على هواه، ثمّ يحبطه، حين يناسبه ذلك، على هواه أيضاً.

ما يزيد الإلحاح على نقد الثقافويّة أنّ أجهزة الدولة في البلدان التي شهدت الثورات ليست حياديّة وعديمة التدخّل في الثقافة والاجتماع. إنّها في كلّ لحظة تتدخّل في الشؤون الروحيّة والقيميّة بحيث يغدو وهماً افتراض التغيير و «التنوير» و «تجديد الخطاب الدينيّ» في ظلّها.

اليوم تواجهنا، في بلداننا وفي العالم، ثقافويّة مقلوبة: فبدل «ديننا وحضارتنا هما الأسوأ» ترتفع شعارات ضمنيّة تفيد بأنّ «ديننا وحضارتنا هما الأحسن». وبدل التمسّك بالواقع السياسيّ القائم، يحلّ تمسّك بالواقع الثقافيّ القائم.

وراء ردّ الفعل هذا عنصران: واحد هو القمع الذي تعرّضت له الشعوب التي ثارت، فجاء الردّ يستنطق سائر أنواع التخلّف المقيمة أصلاً وبقوّة في تراكمنا الثقافيّ: القوميّ والدينيّ والطائفيّ والقبليّ... والثاني هو الترامبيّة ورُهاب الإسلام الذي يستحضر ردّاً متوتّراً عليه. لكنْ إذا كانت الثقافويّة الأولى نخبويّة متعالية، فهنا نقع على شعبويّة يراد رفعها إلى مصاف نخبويّ.

اليقظة الثقافويّة هذه، لا سيّما في الغرب، تحمل بعض العلامات الصحّيّة، كالتعاون اليهوديّ – المسلم في الولايات المتّحدة (يهود يستضيفون للصلاة في معبدهم مسلمين دُمّر مركز عبادتهم، ومسلمون يجمعون تبرّعات لإعادة بناء مقبرة يهوديّة دُنّست)... أو الاستنفار الثقافيّ الواسع ضدّ ترامب والحمولة التعدديّة الخصبة لذاك الاستنفار (وإن لم يكن يُغني عن انضمام قطاعات أخرى، خصوصاً العمّال البيض ممّن سيبقى التغيير صعباً من دونهم).

لكنّ الردّ الثقافويّ على أنظمتنا أو على ترامب يبقى هو أيضاً، وفي حالتيه، أسير استبعاد السياسة. فوق هذا، كثيراً ما يبدو هذا الردّ، في بلداننا كما في الغرب، أسير هزيمة السياسة، والهزيمة تجسّدها مصائر الثورات هنا وصعود ترامب هناك. وهذا فضلاً عن أنّ ردّاً كهذا مُولّد لمزيد من الطائفيّة والفِرَقيّة اللتين ترفدانه بالقوّة في البداية ثمّ تبدّدان قوّته وقدرته على التغيير. إنّه نوع من تسمين الطريدة. فإذا كانت الثقافويّة الأولى تتاخم التعالي العنصريّ في نظرتها إلى الشعب، فالثقافويّة الثانية تتاخم التعالي نفسه في تعميم نظرة ما إلى الآخر ضمن هذا الشعب ذاته. إنّها تجزّىء وتفتّت وتكلّل مساعي التغيير بالحروب الأهليّة.

فرُهاب الإسلام لا يُردّ عليه، كما يحصل اليوم في بعض الجامعات والكتابات، بالتمجيد والذوبان في ما يتعرّض للاضطهاد. وما نطالب بحقّه وبحقّ تعبيره وتمثيله ليس بالضرورة موضوعاً للأمْثَلَة. الثقافويّة هذه قد نعيش معها طويلاً، معارضين ومساجلين، فيما لا تزال الثقافويّة الأولى تمارس الفتك والعدوان. أمّا إذا كنّا محكومين بشيء فعلاً، فهو إطلاق النار في اتّجاهات عدّة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الثقافويّة والثقافويّة المقلوبة الثقافويّة والثقافويّة المقلوبة



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt