توقيت القاهرة المحلي 12:03:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ملاحظات على الخطاب الاقتصادي السائد

  مصر اليوم -

ملاحظات على الخطاب الاقتصادي السائد

بقلم: زياد بهاء الدين

ليس من عادتى التوقف وانتقاد كلمة معينة أو تعبير قد يصدر من أحد المسؤولين على عجالة أو فى ظرف خاص لاعتقادى أن هذا يدخل فى بند «التصيد» الذى لا يليق بقضايا جادة.

ولكن حينما تتكرر المفاهيم والرسائل، فإننا نكون بصدد أفكار وسياسات أكثر اتساقًا، ولهذا فاسمحوا لى بتناول بعض المفاهيم الرئيسية التى جرى طرحها على الساحة الاقتصادية خلال الأسابيع الأخيرة:

المفهوم الأول، أننا فى حالة اقتصاد حرب أو مقبلون عليها. وأظن أنه كان تعبيرًا غير موفق وقد سبب للبلد ضررا بالغا. فنحن - والحمد لله - لسنا فى حالة حرب ولا فى ظروف تستدعى اقتصاد الحرب. ومجرد طرح الفكرة الآن بالغ الغرابة فى الوقت الذى يسعى فيه البلد لإعادة جذب الاستثمار الخاص المحلى والأجنبى، ويجتهد فيه وزيرا الاستثمار والمالية الجديدان لبث روح الثقة فى المجتمع الاستثمارى.

كذلك فإن تعبير اقتصاد الحرب ليس تعبيرا مرسلا، بل له معان ودلالات مستقرة (وان لم تكن محل تعريف قانونى)، أهمها وضع كل موارد البلد بما فيها الملكيات الخاصة تحت تصرف المجهود الحربى وقيام الحكومة بإصدار قرارات استثنائية فى كافة المجالات الاقتصادية والإدارية والجنائية.

فهل هناك ما يستدعى ذلك فعلا مما لا نعلمه؟ أم أن هناك قرارات استثنائية جار التفكير والإعداد لها؟ أم أن تعبير اقتصاد الحرب جاء ليضاف إلى الأسباب التى يستند إليها الخطاب الرسمى فى تبرير الأزمة الاقتصادية التى تعرضنا لها والغلاء الذى يعيشه الناس؟ أيا كان السبب فالمهم ألا يكون تعبير اقتصاد الحرب يمهد لقرارات وإجراءات استثنائية وغير مطلوبة تضر بالمناخ الاستثمارى الذى نحاول بث الروح فيه.

المفهوم الثانى الذى أود التوقف عنده هو أن التصدير جيد والاستيراد سيئ وبالتالى فعلينا السعى لإنتاج ما يحتاجه البلد كى لا نضطر لاستيراده. ومع أن ضبط ميزان المدفوعات والاستغناء عن نزيف القروض الأجنبية يحتاج فعلا لزيادة التصدير والحد من الاستيراد، إلا أن هذا لا يعنى اعتماد ما يسمى بسياسة إحلال الواردات التى تخلى عنها العالم من عقود طويلة.

علينا زيادة الإنتاج طبعا وزيادة التصدير طبعا، ولكن فيما يكون فيه ميزة تنافسية لمصر وليس فى كل ما يمكن إنتاجه. والسبب الذى استقر عليه الاقتصاديون أننا لو بدأنا فى إنتاج ودعم البديل المحلى لأى صنف نقوم فى الوقت الحالى باستيراده، فإن هذا قد يدفعنا لتبديد الموارد على صناعات ومنتجات لا نتمتع فيها بميزة نسبية وسيكون إنتاجنا منها إما أغلى من غيرنا أو أسوأ. بينما لو وضعنا مواردنا فيما نتميز به فإن إنتاجنا سيكون أكثر تنافسية وبالتالى أكثر كفاءة فى الإنتاج وأقل سعرا من الغير وأفضل فى الجودة، ما يعنى أنه قابل للتصدير وجلب العملات الأجنبية.

طبيعى أن يخرج من هذه القاعدة المنتجات التى يعتبرها كل بلد «استراتيجية» سواء أغذية معينة أو حبوب رئيسية أو أدوية لا يمكن الاستغناء عنها بجانب طبعا الصناعات العسكرية. ولكن خارج إطار المستلزمات الاستراتيجية، فإن موارد الدولة والقطاع الخاص ينبغى أن يتوجها لما فيه ميزة نسبية لمصر (أو يمكن تحقيق فيه ميزة نسبية مع مزيد من الاستثمار والتكنولوجيا والتدريب) وليس بالضرورة لما يحد من الاستيراد لو كان سيدفعنا إلى إنتاج بلا كفاءة.

أما المفهوم الثالث الذى يستحق التفكير فهو أن تشجيع الصناعة معناه السعى لفتح كل المصانع المغلقة خلال السنوات الماضية. وأذكر هذا الموضوع بمناسبة التوجه الحالى لدعم الصناعة المصرية والنشاط الواضح فى إزاله معوقاتها بعد سنين من الخمول والإهمال. ولكن إن كانت النية نبيلة بلا شك فى فتح المصانع وتشغيل العمالة وتدوير المعدات المعطلة، فإن هناك تفرقة ضرورية بين المصانع التى توقفت بسبب ظروف اقتصادية أو تجارية عابرة (تضخم مفاجئ فى مدخلات الإنتاج، تعثر فى الحصول على مصدر طاقة، تغير فى سعر الصرف، تسويق ضعيف، هيكل تمويل مختل، أو حتى مجرد بداية مضطربة) وهذه تكون قابلة للإنقاذ والتصحيح والعودة للمسار الإنتاجى.. وبين المصانع التى تعثرت لأن إنتاجها لم يعد مطلوبا فى السوق أو لأن تمويلها تم استهلاكه فى إنفاق شخصى بالمخالفة للقانون أو لأنها اعتمدت على تكنولوجيا لم تعد ملائمة أو غير ذلك من الأسباب الهيكلية التى لا ينفع معها تصحيح ولا تدخل، فإن محاولة إنقاذها لن تؤدى إلا لمزيد من هدر الموارد وتضخم المشكلة القائمة بالفعل وتفويت فرصة استخدام الأصول الباقية يما يكون أكثر نفعا.

ولا أقترح إهمال هذه المصانع وعمالها وتركهم للضياع، بل الحل الاقتصادى السليم هو المساعدة على تصفيتها بحيث يعاد استخدام الأرض المقام عليها المصنع ويعاد تدوير ما يصلح من معداتها ويعاد تدريب عمالها وتمكينهم من الالتحاق بمجال آخر واعد بدلا من ربط مصيرهم بصناعة محكوم عليها بالاندثار.

قد يبدو ما سبق لكم عودة لمواضيع معروفة ومستقرة أو لم تعد جديرة بالنقاش، ولكن تعلمت أن أهم الأمور أبسطها، وأن ضبط المفاهيم الأساسية يوفر الكثير من الجهد والوقت والموارد فيما بعد. فدعونا نناقشها الآن لأن تجاهلها قد يكون ثمنه كبيرا فيما بعد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ملاحظات على الخطاب الاقتصادي السائد ملاحظات على الخطاب الاقتصادي السائد



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt