بقلم: زياد بهاء الدين
بدأت الأسبوع قبل الماضى ما أرجو أن يكون سلسلة مقالات عن الإصلاح المنشود فى مصر، السياسى والاقتصادى والاجتماعى، لاعتقادى أننا أمام مفترق طرق سوف تتحدد عنده مسارات المستقبل. لم يكن طبعا قصدى من ذلك الزعم أن لدى حل لكل المشاكل. بل الغرض تشجيع مشاركة من لديهم ما يساهمون به فى وضع أجندة إصلاح وطنية شاملة من خلال «حوار وطنى مستقل».
استمرارا لذلك أفتح معكم اليوم قضية الإصلاح الاقتصادى. ولا أود اقتحامها بالأسلوب المعتاد لاقتراح حلول وسياسات، من جهة لأن كل الحلول والمقترحات الجيدة تم طرحها من قبل حتى لم يعد هناك ما يضاف. ومن جهة أخرى لأن علينا قبل الخوض فى السياسات والبرامج، أن نتوقف قليلا عند الأسس الفكرية والمنهجية التى تنبنى عليها البرامج التنفيذية. وأكتفى اليوم بطرح أربع قضايا للنقاش:
أولا: أهمية حسم دور الدولة ومؤسساتها فى النشاط الاقتصادى. وهذا موضع يحتاج الضبط لا التطرف فى هذا الاتجاه أو ذاك. فلا انسحاب الدولة بالكامل فرض واقعى أو مطلوب، ولا كذلك اقتحامها كل المجالات ومزاحمتها للقطاع الخاص على أسس غير تنافسية. وتناوله من منظور بيع شركة أو أكثر من الشركات المملوكة للدولة ليس المدخل الصحيح، بل يجب التشاور والتوافق حول الأسس الاقتصادية السليمة لبناء إطار جديد للتعاون السليم بين الدولة والقطاع الخاص.
ثانيا: هناك فهم سائد فى المجتمع عموما وافتراض ضمنى بأن نشاط ونجاح القطاع الخاص فى جوهره متناقض مع مفهوم العدالة الاجتماعية. هذه فكرة متأصلة فى تكوين المجتمع والناس. وهذا التناقض المفترض له أضرار عملية بالغة الخطورة، لأنه يرسخ أن السبيل الأفضل لتحقيق العدالة الاجتماعية هو اتساع دور الدولة وقيامها بتقديم كافة الخدمات والسلع وتحكمها فى الأسواق وتحديدها لأولويات الاستثمار. هذا ربما كان منطقا ونموذجا سائدين منذ بضعة عقود، لكن تطور العالم والأسواق والفهم فى العالم نحو إدراك أن آليات السوق المنضبطة والخاضعة للقانون والمحمية من الاستغلال والاحتكار ليست فقط غير متعارضة مع تحقيق العدالة والكفاءة والتنمية، بل هى الأسلوب الوحيد لها. وهذا موضوع آخر ينبغى تناوله بعمق وجدية حتى نبنى أساسا سليما للتقدم والإصلاح.
ثالثا: نأتى لموضوع الضرائب والإنفاق العام. وهنا أيضا نجد افتراضا مستقرا بأن زيادة الضريبة أمر سيئ، والغرض منها الجباية، وفرضها يؤدى لمزيد من إفقار الناس، خاصة أصحاب الدخول المحدودة. وهذا خطأ جسيم. الضريبة هى مصدر تمويل الإنفاق العام، والإنفاق العام هو وسيلة تمويل التنمية والبنية التحتية وإعادة توزيع الدخل. المشكلة ليست فى فرض الضريبة وتحصيلها، فهذا بدوره ضرورى ومطلوب. المشكلة تأتى من:
(١) عدم وضوح وشفافية الضرائب، (٢) الخلاف على السياسة الاجتماعية التى تعبر عنها السياسة الضريبية، (٣) التعنت فى التقدير والتحصيل. هناك حوار اجتماعى غائب ويجب التطرق إليه ومناقشة بدائله، لكن مع الاتفاق على أهمية زيادة الحصيلة الضريبية بما يخدم أهداف التنمية ويحد من الفجوة الاجتماعية المتسعة.
رابعا: تبقى قضية الشفافية. فلا يمكن تصور حوار اقتصادى واجتماعى مفيد ومثمر إلا فى وجود قاعدة معلوماتية سليمة ومتاحة للجميع، يمكن على أساسها تبادل وجهات النظر والمفاضلة بين البدائل.
نحتاج لمناقشة الأسس قبل الدخول فى التفاصيل التنفيذية.