توقيت القاهرة المحلي 04:05:39 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الفرصة لإنقاذ قانون المسؤولية الطبية

  مصر اليوم -

الفرصة لإنقاذ قانون المسؤولية الطبية

بقلم: زياد بهاء الدين

تابعت بقدر الإمكان الجدل الدائر حول مشروع قانون المسؤولية الطبية الذى أثار غضبًا واسعًا فى مجتمع الأطباء، ودفع نقابتهم للدعوة لعقد جمعية عمومية يوم الجمعة الماضى للتأكيد على رفض القانون. وقد ساعدنى فى المتابعة العديد من الأصدقاء المعنيين بالقانون بشكل أو آخر، فلهم جميعًا كل الشكر. والموضوع طبعًا لا يخص الأطباء وحدهم بل المجتمع كله.

للوهلة الأولى توحى التطورات الأخيرة بأن الأزمة قد انفرجت- أو متجهة نحو الانفراج- بعد إعلان الحكومة عن موافقتها على إلغاء الحبس الاحتياطى لمقدمى الخدمات الطبية، ثم تراجعها عن عقوبة الحبس ما عدا فى حالات الخطأ المهنى الجسيم، وتبع ذلك قرار نقابة الأطباء بإرجاء عقد جمعيتها العمومية، ثم أخبار عن مفاوضات مستمرة وتوافق وشيك بين نواب البرلمان والحكومة والنقابة (فى إطار لجنة الصحة بمجلس النواب)، قد ينتهى قريبًا بإقرار القانون. كلها أخبار وتطورات طيبة والجهد وراءها يستحق كل تقدير. مع ذلك فإننى أجد نفسى مضطرًا- من منظور قانونى وتشريعى- لإبداء تحفظى على مشروع القانون، لأنه أهم من أن يُترك للحسم بمنطق المفاوضات والتوافقات.

فما مشكلته التى لم تُحل حتى بعد التعديلات التى تم التوافق عليها؟ المشكلة أن مشروع القانون الذى وافق عليه مجلس الشيوخ من أسابيع استند إلى منطق مغلوط من البداية، وهو منطق الصراع بين الطبيب والمريض لا منطق الثقة، وأن حماية المريض تأتى من تجريم الخطأ المهنى وتهديد الأطباء بالحبس والغرامة والتعويض، وتشجيع الشكاوى والاحتكام للنيابة والقضاء. من هذه اللحظة، ومهما جرى من تعديلات ومفاوضات وصياغات، فإن هذا الأساس الصدامى للقانون (إذا جاز التعبير) سوف يظل مستمرًا. من جهة أخرى فإن مشروع القانون خرج من مجلس الشيوخ وفيه تداخل غير معروف فى مدرستنا القانونية بين المدنى والجنائى والإدارى، ومع كل جولة مفاوضات لتحسين مضمونه تزداد مفاهيمه القانونية اضطرابًا.

■ ■ ■

دعونى إذن أتجاوز النظريات وأقدم مقترحًا محددًا. وهو أنه بعد انتهاء المفاوضات بين الأطراف المعنية- النقابة والحكومة والبرلمان- يتم إرجاء المناقشة الأخيرة للقانون لحين إعادة عرضه على لجنة رفيعة المستوى من أعضاء إدارتى التشريع بمجلس الدولة ووزارة العدل، لكى تقوم بضبط مفاهيمه الأساسية وإخضاعه لأصول التشريع السليمة.

وفى هذا الإطار فإننى أقترح إعادة النظر فيما يلى:

أولًا) رغم أن موضوع العقوبات الجنائية تعدل مؤخرًا بشكل إيجابى (بعد اقتراح إلغاء الحبس الاحتياطى وقصر الحبس على الخطأ المهنى الجسيم)، إلا أن الأصح هو حذف العقوبات الجنائية تمامًا من القانون الجديد، بحيث يقتصر على تنظيم المسوؤلية المدنية لمقدمى الخدمات الطبية. وأما عن القول إن الخطأ المهنى الجسيم يستحق عقوبة جنائية (وهو قول صحيح) فإن التعامل معه يكون بالإحالة إلى نصوص قانون العقوبات إن كانت كافية أو بإضافة مواد مستحدثة إن كان لها مقتضى.

ثانيًا) بالنسبة للتعويض المدنى فإن مشروع القانون يكرر أحكامًا ومبادئ استقرت خلال الخمسة والسبعين عامًا منذ صدور القانون المدنى ومعها تراث قضائى مستقر وراسخ. فلماذا نتجه لاختراع عجلة جديدة؟ المطلوب فى القانون الجديد هو وضع الضوابط والمعايير والمفاهيم التى تتم الاستعانة بها عند تحديد ما إذا كان مقدم الخدمة الطبية أخطأ أم لم يخطئ ودرجة مسؤوليته، وكيفية الاحتكام إلى اللجان الجديدة المزمع إنشاؤها. ولكن بخلاف ذلك فالأفضل عدم التوسع فى النصوص والأحكام بل ترك الأمر بيد المحكمة المختصة.

ثالثًا) لا أعلم ما الذى سوف تنتهى إليه المشاورات الجارية حاليًا، ولكن فى بعض المسودات التى اطلعت عليها لايزال هناك تداخل بين الجنائى والمدنى، مثل اقتراح إحالة كل الشكاوى للنيابة العامة، وتداخل بين اختصاص اللجنة العليا للمسؤولية الطبية، المقترح إنشاؤها، ومصلحة الطب الشرعى، وجهات الخبرة التى قد ترى المحكمة الاستعانة بها، وهذه أمور يجب أن تُحسم بدقة منعًا للتداخل فى المفاهيم والاختصاصات.

رابعًا) مازلت أرى فصل صندوق ضمان المسؤولية المهنية الطبية فى تشريع مستقل تقترحه هيئة الرقابة المالية، بصفتها الجهة الرقابية المختصة، وصاحبة الولاية على أى نشاط تأمينى فى مصر.

دعونى أنتهى بما بدأت به، وهو أن القانون كما وافق عليه مجلس الشيوخ انطلق من بداية غير موفقة، وهى نزع عنصر الثقة فى العلاقة بين الطبيب والمريض، واستبدل بها حالة عدائية وصدامية، ثم توسع فى الإحالة للنيابة والمحاكم الجنائية بدلًا من الاقتصار على التعويض المدنى. ومع أهمية التعديلات الأخيرة فى التوصل لحلول توافقية إلا أن القانون فى تقديرى يحتاج بعد كل هذا «الكر والفر» إلى قراءة ومراجعة قانونية رصينة من لجنة متخصصة، تعيد للمفاهيم القانونية انضباطها، وللقانون توازنه واتساقه مع المدرسة التشريعية المصرية العريقة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الفرصة لإنقاذ قانون المسؤولية الطبية الفرصة لإنقاذ قانون المسؤولية الطبية



GMT 22:07 2026 الأربعاء ,06 أيار / مايو

من ديار السعادة

GMT 22:05 2026 الأربعاء ,06 أيار / مايو

وعود حكومية لا جمرك عليها

GMT 22:01 2026 الأربعاء ,06 أيار / مايو

سورية تنأى بنفسها: لا حاكمة ولا محكومة؟

GMT 21:59 2026 الأربعاء ,06 أيار / مايو

التّغيير المطلوب في إيران

GMT 21:57 2026 الأربعاء ,06 أيار / مايو

أيّ مستقبل مع إسرائيل؟

GMT 21:54 2026 الأربعاء ,06 أيار / مايو

النظام الإقليمي العربي الجديد؟!

GMT 21:52 2026 الأربعاء ,06 أيار / مايو

إفناء الفلسطيني لضمان بقاء الإسرائيلي؟

GMT 21:49 2026 الأربعاء ,06 أيار / مايو

هل بدأت واشنطن فكّ ارتباطها بأوروبا؟

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 09:19 2026 الأحد ,26 إبريل / نيسان

يارا السكري تتألق بإطلالات كلاسيكية راقية

GMT 16:30 2019 الإثنين ,25 آذار/ مارس

مجالات جديدة وأرباح مادية تنتظرك

GMT 15:07 2021 الأحد ,10 تشرين الأول / أكتوبر

درة تستعيد ذكريات دورها في مسلسل "موجة حارة"

GMT 01:36 2021 الثلاثاء ,05 تشرين الأول / أكتوبر

"كاف" يشيد بمراوغات محمد صلاح ويؤكد أنها ستُذكر للأبد

GMT 10:16 2020 الأربعاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

عبدالرزاق حمد الله يرحل عن النصر وينتقل لنادي آخر

GMT 22:47 2019 السبت ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

بورش باناميرا 2021 تستخدم إطارات "ميشلين"

GMT 13:48 2019 الأحد ,21 تموز / يوليو

تسريحات شعر قصير بأسلوب النجمات العالميات

GMT 11:53 2018 الجمعة ,13 تموز / يوليو

مصر تحصد أول ذهبية في بطولة العالم للكونغ فو
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt