توقيت القاهرة المحلي 02:02:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«المصريون العاملون في الداخل»

  مصر اليوم -

«المصريون العاملون في الداخل»

بقلم: زياد بهاء الدين

منذ سبعينيات القرن الماضى ظهرت فى مجتمعنا أعداد متزايدة من المصريين الذين دفعتهم ظروفنا الاقتصادية المتواضعة مع الرخاء الذى كان بدأ يظهر فى ليبيا ودول الخليج للسفر إلى الخارج والعمل بضع سنوات من أجل توفير الأموال اللازمة، لتحقيق نقلة فى حياتهم الاجتماعية أو لتلبية مطالب كبرى. ومع الوقت تحولت هذه الظاهرة إلى واحد من أهم أعمدة اقتصادنا القومى وأكبر بند فى حصيلة مصر من العملة الأجنبية، وهو بند «تحويلات المصريين العاملين فى الخارج». وقد أصبح يتجاوز فى السنوات العادية ما نحصل عليه من رسوم قناة السويس وعوائد السياحة مجتمعين، حتى قبل انخفاض حصيلة القناة بسبب العدوان الحوثى.. هذا البند تجاوز عام ٢٠٢٤ ثلاثين مليار دولار، وهو رقم قياسى تحقق بعد تحرير سعر الصرف.

والحقيقة أن أثر تحويلات المصريين فى الخارج لا يبدو فقط فى ميزان المدفوعات، بل فى كل مظاهر حياتنا الاقتصادية. وفى رأيى أنه كان- ولا يزال- الداعم الرئيسى لملايين الأسر المصرية خلال فترات الأزمات الاقتصادية وارتفاعات الأسعار وغياب فرص العمل، وهى فترات كثيرة مرت علينا خلال الخمسين عاما الماضية. هذه التحويلات مثلت لغالبية البيوت المصرية شبكة الحماية الاجتماعية الحقيقية (قبل أن يصبح المصطلح معروفا)، سواء كانت بضعة دولارات أو ريالات تصل إلى أسرة المسافر فى قرية نائية نقلا باليد وتنقذها من تقلبات الحياة والعوز، أو عشرات الآلاف الواردة عبر الجهاز المصرفى لشراء عقار أو بدء نشاط استثمارى أو غير ذلك.

ومع الوقت بدأت التحويلات ترد أيضا من الأردن والجزائر، ثم فى موجات تالية من أوروبا وأمريكا وكندا وأستراليا. ولا أظن أن بيتا أو أسرة أو قرية مصرية لم تتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بهذه الشبكة الاجتماعية لسنوات وعقود طويلة.

وبالمناسبة، فإن مصر ليست البلد الوحيد الذى اعتمد على تحويلات العاملين والمهاجرين لتجاوز أزماته الاقتصادية، بل هكذا كانت أحوال لبنان فى أوقات الحروب الأهلية وانهيار الدولة المركزية والعملة والنظام المصرفى، وهكذا لا يزال السودان واليمن وسوريا وحتى غزة.

طبعا الدولة تدخلت، أحيانا بأشكال مفيدة مثل الإعلان عن تيسيرات جمركية أو تشجيع إجراءات مدنية، واحيانا بتدخلات ضارة مثل القانون الذى صدر فى ١٩٩٤ بفرض ضريبة على دخول المصريين فى الخارج ولكن لحسن الحظ أن المحكمة الدستورية قضت عام ١٩٩٩ بعدم دستوريته.

■ ■ ■

ما سبق مقدمة طويلة فى وصف الأثر الاقتصادى الإيجابى لتحويلات المصريين فى الخارج خلال الخمسين عاما الماضية والتى- كما قلت- شكلت شبكة الحماية الاجتماعية الحقيقية والمستمرة خلال الأزمات والثورات والتقلبات وموجات الغلاء والبطالة.

مقدمة لموضوع آخر أرى أنه فى بدايته وقد يمثل الظاهرة الجديدة التى لن تقل شأنا- إذا ما أحسنا استغلالها- وهى ما أسميه بظاهرة «المصريون العاملون فى الداخل».

ولا أعنى بذلك طبعا كل من يعمل داخل مصر، فكلنا من المصريين العاملين فى الداخل بالمعنى الحرفى. ما أقصده هو إلقاء الضوء على أهمية من يعملون لجهات وشركات ومكاتب خارجية ولكنهم- بدلا من السفر إلى بلدان أخرى والاستقرار فيها والسكنى- يبقون فى مصر ويعملون بشكل مستقر ودائم سواء من منازلهم أو من مكاتب مخصصة لهذا الغرض. وهذا بفضل تقنيات الاتصال الحديثة يمكنهم من الانخراط فى أعمال الشركات والمكاتب التى توظفهم وهم باقون فى مصر، بالضبط كما لو كانوا سافروا وانتقلوا إلى مقار العمل بالخارج.

ظاهرة ليست جديدة ولكن متصاعدة، وفى تقديرى تمثل اتجاها بالغ الأهمية، ولكن- مرة أخرى- لو أحسنا فهمها وتشجيعها والتعامل معها.

وهذا أتركه لمقال الأسبوع القادم.. كيف نستفيد من تنامى ظاهرة المصريين «العاملين فى الداخل»؟.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«المصريون العاملون في الداخل» «المصريون العاملون في الداخل»



GMT 22:07 2026 الأربعاء ,06 أيار / مايو

من ديار السعادة

GMT 22:05 2026 الأربعاء ,06 أيار / مايو

وعود حكومية لا جمرك عليها

GMT 22:01 2026 الأربعاء ,06 أيار / مايو

سورية تنأى بنفسها: لا حاكمة ولا محكومة؟

GMT 21:59 2026 الأربعاء ,06 أيار / مايو

التّغيير المطلوب في إيران

GMT 21:57 2026 الأربعاء ,06 أيار / مايو

أيّ مستقبل مع إسرائيل؟

GMT 21:54 2026 الأربعاء ,06 أيار / مايو

النظام الإقليمي العربي الجديد؟!

GMT 21:52 2026 الأربعاء ,06 أيار / مايو

إفناء الفلسطيني لضمان بقاء الإسرائيلي؟

GMT 21:49 2026 الأربعاء ,06 أيار / مايو

هل بدأت واشنطن فكّ ارتباطها بأوروبا؟

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 09:19 2026 الأحد ,26 إبريل / نيسان

يارا السكري تتألق بإطلالات كلاسيكية راقية

GMT 16:30 2019 الإثنين ,25 آذار/ مارس

مجالات جديدة وأرباح مادية تنتظرك

GMT 15:07 2021 الأحد ,10 تشرين الأول / أكتوبر

درة تستعيد ذكريات دورها في مسلسل "موجة حارة"

GMT 01:36 2021 الثلاثاء ,05 تشرين الأول / أكتوبر

"كاف" يشيد بمراوغات محمد صلاح ويؤكد أنها ستُذكر للأبد

GMT 10:16 2020 الأربعاء ,16 كانون الأول / ديسمبر

عبدالرزاق حمد الله يرحل عن النصر وينتقل لنادي آخر

GMT 22:47 2019 السبت ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

بورش باناميرا 2021 تستخدم إطارات "ميشلين"

GMT 13:48 2019 الأحد ,21 تموز / يوليو

تسريحات شعر قصير بأسلوب النجمات العالميات

GMT 11:53 2018 الجمعة ,13 تموز / يوليو

مصر تحصد أول ذهبية في بطولة العالم للكونغ فو
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt