توقيت القاهرة المحلي 08:34:53 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مقابر العبيد بناة الأهرامات!

  مصر اليوم -

مقابر العبيد بناة الأهرامات

بقلم : زاهي حواس

وصلتنى رسالة على هاتفى من صحفى فرنسى يطلب مقابلتى فى مكتبى بحى المهندسين، وقد حدد اليوم والساعة، وأخبرنى أن حفيدته ستكون بصحبته!. بداية ظننت أن الصحفى يريد عمل حوار صحفى، وبالفعل قمت بالرد على الرسالة بالإيجاب، وأرسلت إليه عبر تطبيق تحديد الأماكن موقع مكتبى. وفى اليوم والموعد المتفق عليهما، حضر الصحفى الفرنسى ومعه ملاك صغير لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها، وبمجرد أن دخلت إلى مكتبى أخذت تتجول بين جنباته؛ تقلب فى الكتب الموجودة على الأرفف، وتتفحص النياشين ودروع التكريم. ولأن الفتاة الجميلة لا تعرف من الإنجليزية سوى كلمة beautiful، أصبح كل شيء فى مكتبى جميلا!. لم تجلس للحظة واحدة، وكان يبدو أنها تعانى من فرط الحركة.

نعود إلى جد الفتاة- الصحفى الفرنسى- الذى كان يبدو أصغر بكثير من أن يكون فى العقد الثامن من عمره كما أخبرنى هو. وقد بادرنى بتعريف نفسه وقال: لم آتِ لمقابلتك لإجراء حديث صحفى!. لقد تقاعدت عن العمل منذ خمس سنوات، وأنا الآن أستمتع بحياتى مع عائلتى. وقد جئت إلى مصر هذه المرة ومعى حفيدتى لزيارة المتحف المصرى الكبير بعد افتتاحه، إنه شىء رائع؛ وضخامته مثيرة للخيال. إن حفيدتى تقول إنه أعظم وأجمل متحف رأته فى حياتها، وقد زارت معظم متاحف أوروبا، فهى تعشق التاريخ والآثار.

استطرد الرجل المهذب قائلاً: لا أعتقد أنك تتذكرنى؟!. لقد تقابلنا منذ ٢٨ سنة مضت عندما جئت إلى باريس محاضراً عن اكتشافاتك حول الأهرامات والكشف عن مقابر العمال بناة الأهرامات.

هنا كنت أحاول جاهداً تذكر الرجل، لكنى لم أنجح، فقلت له: عذراً إن لم أكن أذكرك، لقد سافرت إلى فرنسا لأحاضر فى العديد من مدنها. وسألته: هل قمت بعمل حوار صحفى معى فى ذلك الوقت؟، وكان رد الصحفى: لا!، لكنك علمتنى درساً لم أنسه طوال حياتى، بل إن هذا الدرس جعلنى إنسانا مختلفا وصحفيا مختلفا!.

كانت الدهشة تسيطر علىَّ وأنا أسمع تلك الكلمات من الصحفى الوسيم الجالس أمامى، بينما حفيدته الجميلة منشغلة بعمل حفائر فى مكتبى!، فقلت له: من فضلك قصَّ علىَّ حكايتك، فقال: فى ذلك اليوم كنت أحد الحاضرين لمحاضرتك الرائعة عن الاكتشافات الحديثة حول الأهرامات، ولكننى جئت إلى المحاضرة مشبعاً بالغطرسة الغربية، وأننا نحن الأوروبيين أصحاب المثل الإنسانية العليا والمبادئ والحريات، وكنت قد أعددت لك مفاجأة لإحراجك وعمل موضوع صحفى لتشويه محاضرتك!. بعد انتهاء المحاضرة رفعت يدى، فأعطيتنى الكلمة معتقداً أننى سأوجه لك سؤالاً، لكننى وبكل غرور وغطرسة قلت لك: أشكرك على محاضرتك لكن أعتقد أنك نسيت أن تخبرنا بأن مَن تسميهم أنت بالعمال بناة الأهرامات كانوا عبيداً سخرهم الفراعنة بالقوة لحمل الأحجار وبناء المعابد والأهرامات التى تتفاخر بوجودها فى بلدك، بينما يجب عليك الشعور بالخجل والأسف على كل ما ارتكبه أجدادك الفراعنة فى حق العبيد المسخرين!. يقول الصحفى: هنا أطبق الصمت على القاعة انتظارا لردك، الذى كان أقوى من وقع لوح الثلج على الصفيح الساخن!.

لقد قلت لى بهدوء عجيب: نعم، أتفق معك كل الاتفاق! وأنا بالفعل أشعر الآن بالخجل والعار، وأعتقد أن فرنسا أيضاً بلد الحريات والمبادئ الإنسانية يجب أن تشعر هى كذلك بالخجل والعار الذى أشعر به لإيوائها آلاف القطع الأثرية الفرعونية التى صنعت بالسخرة وتعذيب العبيد!، وأنا على استعداد للعودة الآن إلى مصر ومعى مسلة رمسيس الثانى الموجودة فى ساحة الكونكورد، وسقف معبد دندرة الموجود فى متحف اللوفر، بالإضافة إلى تمثال الكاتب المصرى وأكثر من ٥٨ ألف أثر فرعونى موجود فى فرنسا، منها الصناديق العشرون الضخمة المحملة بالآثار الفرعونية التى شيدها العبيد، والتى أهداها والى مصر، محمد على باشا، إلى جان فرانسوا شامبليون، أول مَن قرأ اللغة المصرية القديمة. وبعد أن أعود إلى بلدى ومعى كل تلك الآثار الفرعونية الموجودة فى بلدك الذى يجب أن تشعر بالخزى والعار لعرضه آثارا صنعت بالسخرة كما تقول أنت، سأقوم بدعوة أكثر من ألف من علماء المصريات الفرنسيين إلى تقديم اعتذار لسيادتك على إخفائهم حقيقة الآثار الفرعونية التى بناها العبيد!، بل سأدعوهم هم أيضاً إلى أن يشعروا بالخجل والخزى والعار لأنهم كذبوا فى مؤلفاتهم عن تلك الحضارة، ولم يذكر واحد منهم أنها حضارة بُنيت بالسخرة كما تقول أنت!.

يقول الصحفى: بعدما قلت هذا، مرت ثوانٍ من الصمت، ثم انفجرت القاعة بالتصفيق والتهليل والضحك، وكنت أنا أتصبب عرقاً. لقد كنت أقف كشخص تافه مغرور علمه حكيم مصرى درساً لن ينساه طوال حياته.. دكتور زاهى!، لقد جئت اليوم فقط لأشكرك على الدرس الذى لقنتنى إياه!. بعدها تواضعت، وقرأت، وأجريت حوارات صحفية مع علماء المصريات الفرنسيين، وذهبت إلى المتاحف والمكتبات بحثاً عن الحقيقة، التى قادتنى فى النهاية إلى المعرفة واليقين الذى أكد لى أن الجمال لا يمكن صنعه بالسخرة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مقابر العبيد بناة الأهرامات مقابر العبيد بناة الأهرامات



GMT 08:01 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

إلى إيران

GMT 07:59 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

عالم ماسك... «الماسخ»

GMT 07:56 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

السعودية قاعدة الاستقرارفي الشرق الأوسط

GMT 07:54 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

حصرية السّلاح ليست خياراً

GMT 07:53 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

إيران... لغز «العطش والعتمة» في بلاد الغاز

GMT 07:50 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

كأس أفريقيا في المغرب... احتفال بالقيم قبل النتائج

GMT 07:49 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

كي لا يفقد لبنان جنوبه

GMT 07:46 2026 الثلاثاء ,13 كانون الثاني / يناير

كامل الشناوي ويوسف إدريس ونجاة بالذكاء الاصطناعي!

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 22:21 2026 الإثنين ,12 كانون الثاني / يناير

برنامج الأغذية العالمي يحذر من تفاقم الجوع في 2026
  مصر اليوم - برنامج الأغذية العالمي يحذر من تفاقم الجوع في 2026

GMT 13:29 2017 الخميس ,06 إبريل / نيسان

فوائد زيت الزيتون للعناية بالبشرة

GMT 06:16 2025 الجمعة ,21 شباط / فبراير

بسمة وهبة تعود في رمضان 2025 بمفاجآت لا تُصدق

GMT 15:26 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

وكالة "الأونروا" تحذر من خطورة وضعها المالي

GMT 18:12 2021 الإثنين ,04 كانون الثاني / يناير

مدافع الأهلي رامي ربيعة يعلن تعافيه من فيروس كورونا

GMT 22:16 2020 الإثنين ,21 كانون الأول / ديسمبر

4 إصابات جديدة بـ كورونا تضرب النادي الأهلي

GMT 08:11 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

جماهير الأهلي تدعم رامي ربيعة قبل نهائي دوري أبطال إفريقيا

GMT 03:24 2020 الجمعة ,25 أيلول / سبتمبر

22 سفينة إجمالى الحركة بموانئ بورسعيد

GMT 20:09 2018 الخميس ,11 تشرين الأول / أكتوبر

عماد متعب يعترف بفضل زوجته يارا نعوم على الهواء

GMT 02:54 2017 السبت ,21 تشرين الأول / أكتوبر

أميرة هاني تُعبّر عن فرحتها بالعمل مع النجمة عبلة كامل

GMT 06:40 2023 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

حسين لبيب يستقبل النقيب العام لنقابة المهن الرياضية

GMT 11:09 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

تويوتا تعلن تفاصيل وطرازات البيك أب تندرا 2022
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt