توقيت القاهرة المحلي 18:24:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كشف أثري تحوَّل إلى كارثة

  مصر اليوم -

كشف أثري تحوَّل إلى كارثة

بقلم : زاهي حواس

في يوم 26 يونيو (حزيران) عام 1954، كان الصحافيون ومراسلو وكالات الأنباء العالمية محتشدين، أو بمعنى أدق: مكتظين، في حجرة دفن الملك سخم خت (2648 – 2640 قبل الميلاد) أسفل هرمه بمنطقة سقارة، بالقرب من الهرم المدرج الشهير للملك زوسر مؤسس الأسرة الثالثة.

الجو خانق شديد الرطوبة، وكشافات الإضاءة التي يستخدمونها في ذلك الوقت لإدارة كاميراتهم الضخمة كانت تصدر لهيباً من النيران داخل الجو الخانق، والجميع يهتف ويزاحم محاولاً إزاحة من حوله من زملاء المهنة بمعداتهم، ليظفر بزاوية رؤية أفضل، لتسجيل الحدث الخطير المهم، والذي من أجله تحمَّلوا عناء القدوم من بلادهم خصيصاً في ذلك الصيف الخانق. نترك المشهد داخل حجرة دفن الملك سخم خت، ونعود بالزمن أسابيع قليلة، وتحديداً في بداية شهر مايو (أيار) من العام نفسه (1954) عندما استطاع أخيراً عالم الآثار المصري زكريا غنيم تنظيف الممر المؤدي إلى حجرة الدفن الملكية أسفل الهرم الذي اكتشفه منذ سنوات قليلة، ولم يكن أحد يعرف بوجوده من قبل، نظراً لكونه مهدماً إلى حد بعيد، وكان مدفوناً بالكامل أسفل رمال سقارة.

كانت لحظة الدخول إلى حجرة الدفن من اللحظات الحرجة في حياة زكريا غنيم الذي كان قلبه يخفق بشدة، وهو يسأل نفسه: هل بعد كل هذا العناء سنظفر بكشف مهم؟ أم أن كل شيء تمت سرقته أو تدميره في الماضي على يد لصوص المقابر؟ وأخيراً كان زكريا غنيم وعدد قليل من مساعديه داخل حجرة الدفن، ومساحتها 9 أمتار طولاً، و5 أمتار عرضاً، وارتفاع السقف نحو 5 أمتار. الحجرة منحوتة بالكامل في الصخر الطبيعي، وكانت تبدو فارغة ما عدا تابوت من المرمر المصري الجميل في منتصف أرضية الحجرة.

والمفاجأة التي كان زكريا غنيم يظنها سعيدة، وكاد قلبه يرقص فرحاً بها، أنه رأى طبقة من الملاط الأبيض تغلق ما بين غطاء التابوت الجانبي (في حالة تابوت سخم خت فهو باب) والصندوق الذي كان يعلوه إكليل من الورود والزهور والنباتات، ويعرف باسم «البوكيه» الجنائزي. كل شيء يؤكد أن التابوت مغلق، وأن مومياء صاحبه بداخله!

هنا سرح زكريا غنيم بخياله، وتخيل ما سوف يُحدثه هذا الكشف من ضجة عالمية: «الكشف عن أقدم مومياء ملكية في مصر عمرها 4600 سنة!». تخيل زكريا غنيم نفسه وقد أصبح أشهر عالم آثار في العالم، واسمه بجوار أسماء المكتشفين العظام، مثل: هيوارد كارتر مكتشف مقبرة توت عنخ أمون، وبيير مونتيه مكتشف كنوز تانيس الملكية.

لم يُضِع زكريا غنيم الوقت، وتحدث إلى قيادات مجلس الثورة، وعلى رأسهم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وبدلاً من التخطيط لإعلان الكشف في موسم الشتاء القادم مثلماً يفعل معظم الأثريين، لم يصبر غنيم، وقام بدعوة العالم كله للحضور إلى سقارة لحضور لحظة الكشف عن التابوت.

وبدأ الصحافيون والمراسلون والقنوات التلفزيونية وقنوات الراديو العالمية يفدون إلى مصر، ويعدُّون أنفسهم لليوم المشهود، يوم فتح التابوت.

نعود الآن للمشهد الأول: مئات من البشر مع أجهزتهم «محشورون» في الحجرة الضيقة لا يكادون يرون شيئاً من كثرة العرق المتصبب، والمكتشف زكريا غنيم وعماله يحاولون إيجاد مساحة لأنفسهم، لفتح الغطاء أو الباب الجانبي للتابوت الذي يفتح إلى أعلى من خلال مجرى في صندوق التابوت.

وأخيراً، يتم رفع الغطاء، ويصمت الجميع، وعيونهم شاخصة تنظر إلى داخل الصندوق: لا شيء! ليس هناك شيء! لا توجد مومياء! التابوت فارغ تماماً! هكذا بدأت همهمات الموجودين في الحجرة الضيقة، وهكذا بدأ الضحك يختلط بالحزن والبكاء.

كان هذا اليوم هو أسوأ كابوس عاشه زكريا غنيم الذي فقد حياته بعد بضع سنوات منتحراً في النيل، وتلك قصة أخرى نرويها فيما بعد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كشف أثري تحوَّل إلى كارثة كشف أثري تحوَّل إلى كارثة



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt