توقيت القاهرة المحلي 12:29:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التجارة الحرام

  مصر اليوم -

التجارة الحرام

بقلم : زاهي حواس

ليس من المتوقع أن تختفي تجارة الآثار المحرمة والمجرمة قانوناً وللأبد. وذلك على الرغم من تغليظ العقوبات وتشديد سلطات الجمارك، وامتناع عدد كبير من المتاحف عن شراء الآثار مجهولة المصدر أو المهربة! نحن نتحدّث عن سرقة الآثار وتهريبها من دولة المصدر إلى دولة البيع بوصفها ظاهرة عالمية تعاني منها الدول التي تذخر بالآثار، سواء في أفريقيا أو آسيا آو حتى أوروبا نفسها؛ حيث تعاني دول مثل اليونان وإيطاليا من سرقات الآثار وتهريبها. والسبب الرئيسي في كون اختفاء تلك التجارة المحرمة مستحيلاً عملياً هو أن الطلب عليها لا يزال موجوداً وبقوة، سواء من أثرياء ومحبي جمع التحف النادرة أو من بعض المتاحف ذات السمعة السيئة التي لا تجد غضاضة في الاتجار بالآثار بيعاً وشراءً.

إن أول سبل العلاج يأتي بالفهم لطبيعة تلك التجارة الحرام، والتي تبدأ بما يُعرف بـ«النباشين»، أي الذين يحفرون خلسة بحثاً عن الآثار، وهؤلاء يقومون ببيع ما يعثرون عليه إلى تاجر الآثار الذي يقوم بتهريبها إلى التاجر الدولي الذي إما يقوم بتصريفها إلى راغبي جمع التحف من زبائنه وإما بتزوير مستندات ملكية لعرضها في دور المزادات لكي يتم شراؤها في العلن وكأنها قطع أثرية نظيفة! تتخلل تلك الشبكة حلقات من المعاونين، سواء في مهام النقل أو التخزين أو التخليص من الجمارك. كذلك تُستغل الحقائب الدبلوماسية أحياناً في عمليات التهريب بالطبع من دون علم الدول صاحبة تلك الحقائب، وإنما بعض من معدومي الضمير من العاملين في سفاراتها وقنصلياتها.

عامل آخر مهم من عوامل استمرار تلك التجارة الحرام وهو أن القوانين الدولية مثل تلك التي وضعتها هيئات ومنظمات دولية كـ«اليونيسكو» لا تزال تعطي مساحة للمتاجرين في الآثار بالعمل وفق القول: بأن الدول صاحبة التراث المنهوب من حقها المطالبة باستعادة ما سرق وسلب منها بعد عام 1970؟! فما بال ما تمت سرقته في القرون الخالية؟! وكيف يمكن إثبات ما تم نهبه بعد عام 1970 مما تمت سرقته قبل ذلك؟ كذلك فإن قوانين بعض الدول، ولا سيما التي تستقبل الآثار المهربة على أراضيها، لا تمنع ولا تجرم تلك التجارة الحرام، خصوصاً أنها من الدول الناشئة التي لم يكن لها تاريخ أو حضارة قديمة تخشى عليها من النهب. أما الأمر الذي لا يدركه كثير من الناس، بل المنظمات الدولية وأيضاً الدول نفسها، أن عودة الآثار المنهوبة إلى دولها ليست نجاحاً تاماً! فهناك خسارة لا يمكن تعويضها، ولا يمكن إعادتها، تتمثل في الجهل بمكان العثور على الأثر المنهوب وظروف الكشف عنه والمحيط الذي وجد به، إضافة إلى الكم الكبير من المعلومات المهمة لكتابة التاريخ التي يحصل عليها الأثري عندما يتم العثور على الأثر من خلال حفائر علمية منظمة. تلك المعلومات التي تُساعد في كتابة شهادة ميلاد الأثر، وتفسر وظيفته، فقدت وللأبد، وبات كل ما لدينا مجرد عمل فني من زمن قديم.

التوعية بأضرار تلك التجارة الحرام مهمة جداً لكنها ليست الأداة الوحيدة لمنعها. مهم جداً العمل على تجفيف السوق، ومنع الطلب على الآثار المسروقة بتشديد العقوبات الرادعة على المشتري، سواء كان شخصاً أو هيئة، وجزء من العقوبة يكون بالإفصاح عن المشتري وليس التكتم عليه وحمايته. مشتري الآثار المسروقة هو مجرم في حق الإنسانية والتاريخ، مثله مثل «النباش» والتاجر والمهرب بل يزيد؛ لأن ماله هو ما يشجع كل هؤلاء على الاستمرار في تلك التجارة الحرام.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التجارة الحرام التجارة الحرام



GMT 09:11 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

متشابهة

GMT 09:08 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

بلسانٍ إيراني أميركي جليّ

GMT 09:07 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

تخريب العلاقة بين الخليج وأميركا

GMT 08:59 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

معركة العقل العربي ــ الإسلامي

GMT 08:58 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

التحالفات السياسية في عالم بلا مركز

GMT 08:56 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

زمن أفول غطرسة القوة اللاشرعية!

GMT 09:44 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

إعادة النظر فى مفهوم «الأمن القومى العربى»

GMT 09:42 2026 الإثنين ,20 إبريل / نيسان

تحديات وقف إطلاق النار

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - مصر اليوم

GMT 03:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
  مصر اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
  مصر اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 09:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 08:59 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

القمر في منزلك الثاني ومن المهم أن تضاعف تركيزك

GMT 00:27 2019 السبت ,11 أيار / مايو

تدخل الاتحاد التونسي في قرارات الكاف

GMT 22:37 2019 الإثنين ,18 آذار/ مارس

" ابو العروسة " والعودة للزمن الجميل

GMT 00:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ديوكوفيتش يعترف بتقلص فرصه في حصد الألقاب الكبرى

GMT 15:00 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

الإسماعيلي يفتقد 5 لاعبين أمام الزمالك في الدوري

GMT 22:53 2019 الأربعاء ,24 إبريل / نيسان

تعرف على قائمة الرؤساء التاريخيين للنادي الأهلي

GMT 11:05 2026 الثلاثاء ,14 إبريل / نيسان

10 أماكن منسية في منزلك تحتاج إلى تنظيف منتظم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt