توقيت القاهرة المحلي 01:47:52 آخر تحديث
  مصر اليوم -

نهاية حضارة

  مصر اليوم -

نهاية حضارة

بقلم : زاهي حواس

قبل أكثر من 5200 سنة نشأت على ضفاف النيل في مصر مدن حضارية عظيمة تتوفر فيها كل أركان المدينة؛ من وجود نظام حكم داخلي على رأسه حاكم يدير شؤون مدينة الحكم ومناطق نفوذها، والتي هي عبارة عن عدد من القرى الزراعية الخاضعة إدارياً واقتصادياً للمدينة. كانت تلك هي آخر إرهاصات بداية التوحيد السياسي والإداري والاقتصادي لتلك المدن الحضارية ونشأة الدولة. هنا تتجلى العبقرية المصرية لأبطال جهود التوحيد وظهور حضارة دولة للمرة الأولى على كوكب الأرض! لقد استغل أبطال التوحيد -منهم قادة لا نعرف أسماءهم، وآخرون لا نعلم على وجه التأكيد ترتيب وجودهم وفترات حكمهم- استغلوا وحدة اللغة والعِرق والدين التي كانت موجودة بين دويلات المدن في شمال مصر وجنوبها لنجاح فكرة التوحيد وقيام دولة مصر القديمة.

توحدت مدن الدلتا أولاً تحت لواء مدينة بوتو (تل الفراعين حالياً) وبدأت في السعي نحو ضم الجنوب الذي كان هو الآخر قد شارف على تكوين وحدة تحت لواء مدينة «ثيني أو طيني» بالقرب من مدينة أبيدوس. وعلى الرغم من أن إرهاصات الوحدة الأولى من الشمال إلى الجنوب لم يكتب لها الاستمرار فإن تلك الوحدة التي قادها ملوك الجنوب قد تكللت أخيراً بالنجاح، وظهر للمرة الأولى ملك مصري يضع على رأسه التاج المزدوج لعنصري الدولة الموحدة الشمال والجنوب؛ الدلتا والصعيد. وينسب فضل التأسيس إلى ملك مصر الأول حور عحا -حورس المحارب- من دون تقليل من جهود أسلافه.

مع ميلاد الدولة الموحدة تم بعبقرية سياسية فاقت الحدود اختيار موضع العاصمة السياسية الجديدة للدولة المصرية عند نقطة التقاء الشمال والجنوب وبنيت إينب حدج -الجدار الأبيض- في الموضع الذي لا يبعد كثيراً اليوم عن قرية ميت رهينة بمحافظة الجيزة. وقد تغير الاسم إلى «من نفر» بمعنى الأثر الجميل وصارت عند العرب منف، وعند اليونانيين ممفيس.

كتب لهذه الحضارة الناشئة الاستمرار بفضل التطور المستمر والابتكار والتميز الذي كان هو منهج الفراعنة طوال عصورهم. كل فرعون يريد أن يخلد اسمه بعمل يبقى على الأرض ويذكر به. وكان البناء والتشييد هو المجال والسبيل للبقاء والخلود وكانت عبارات «ابنِ لنفسك أو شيد لنفسك أو اعمل نفسك» من العبارات الأكثر شيوعاً في حياة المصريين القدماء عامةً وليس الملوك فقط. كان تخليد الذكرى يأتي بالعمل والإنجاز وكان قانون «الماعت»، ويعني الحق والعدل والنظام هو السائد طوال التاريخ المصري القديم.

حضارة كهذه لم تكن لتنهار وتنتهي بين عشية وضحاها إلا بأمر من السماء، وهو ما لم يحدث لكنها سنّة الحياة، ولأن قانون الدوام لا ينطبق على مخلوق من مخلوقات الله كان لا بد من نهاية للحضارة المصرية القديمة، ولكن كيف تنهار حضارة راسخة في عمق الزمان بنيت على أسس ثابتة من وحدة اللغة والدين والعِرق، والأهم وحدة الفكر والمنهج؟ كان لا بد أن تأخذ النهاية وقتاً طويلاً لكي تكتب، ومع مصر ظلت تلك النهاية تكتب لأكثر من ألف سنة هي الألف الأخيرة من عمر الدولة المصرية القديمة الموحدة قبل 3200 قبل الميلاد. وخلال تلك الألف سنة كانت مصر تظهر المقاومة وتحاول استعادة المجد تارة بعد أخرى، لكنها سُنَّة الحياة ودورة الحضارة التي لا بد أن تأخذ مجراها. فلم تكن عوامل الضعف قد نشأت فقط من داخل المجتمع المصري القديم، بل كانت هناك قوى حضارية شابة جديدة وعفيَّة بدأت تظهر على المسرح العالمي في الشرق الأدنى القديم وما جاوره، وكان لا بد لهذه القوى الناشئة أن تأخذ حظها من التطور والسيطرة، وبالتالي كتبت كلمة النهاية في عام 322 قبل الميلاد بدخول الإسكندر المقدوني إلى مصر وإعلان نفسه ملكاً على مصر، ووضع على رأسه تاجي التوحيد الذي ارتداهما الملك العظيم حور عحا قبل ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة على ميلاد الإسكندر.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نهاية حضارة نهاية حضارة



GMT 08:20 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

غبار الجليد

GMT 08:19 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

صعوبات العودة إلى الدولة

GMT 08:17 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

الخوارزمي مُستاء جداً!

GMT 08:15 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

السنغال و«داحس والغبراء»

GMT 08:14 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

«لو فيغارو»: كيف تسهم الصحف في صياغة التاريخ

GMT 08:11 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

مجلس التعاون الخليجي واستقراره ونجاحه

GMT 08:09 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

تجارة في السياسة !

GMT 08:05 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

سلوت وصلاح.. أفكار وسياسات

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - رئيسة وزراء الدنمارك تزور غرينلاند بعد تراجع تهديدات ترمب

GMT 20:47 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

اليونيسف تحذر من ضياع جيل كامل من أطفال السودان
  مصر اليوم - اليونيسف تحذر من ضياع جيل كامل من أطفال السودان

GMT 14:38 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

تامر حسني يتحدث عن نجم المرحلة المقبلة في التمثيل
  مصر اليوم - تامر حسني يتحدث عن نجم المرحلة المقبلة في التمثيل

GMT 00:33 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

الأردن يستعيد سيادته على الباقورة والغمر

GMT 04:30 2018 الأحد ,17 حزيران / يونيو

جزيرة كريت أكبر جزر اليونان الرائعة

GMT 21:24 2018 الأربعاء ,10 كانون الثاني / يناير

زيادة أسعار تذاكر مترو الأنفاق في تموز المقبل

GMT 10:46 2017 الأحد ,24 كانون الأول / ديسمبر

عهد التميمي

GMT 04:32 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

جلسة تصوير تجمع بين طارق صبري وجيهان خليل

GMT 04:44 2017 الثلاثاء ,11 تموز / يوليو

الفاوانيا تسيطر على رائحة العطر الجديد من Kenzo

GMT 00:03 2022 الأحد ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

فولكس فاجن تؤخر طرح السيارة الكهربائية ترينتي

GMT 05:28 2018 الأحد ,21 تشرين الأول / أكتوبر

ملابس محجبات للممتلئات مستوحاة من المصممة مروة حسن

GMT 14:13 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

رشا السباعي تهنئ ملكة جمال لبنان وتدافع عن عمرو دياب

GMT 23:37 2018 الأربعاء ,19 أيلول / سبتمبر

ريال مدريد الإسباني يفوز على روما الإيطالي بثلاثية

GMT 09:48 2018 السبت ,18 آب / أغسطس

تعرفي على طريقة عمل سمك مشوي بالخضار
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt