توقيت القاهرة المحلي 15:03:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تعاليم بتاح حتب

  مصر اليوم -

تعاليم بتاح حتب

بقلم:زاهي حواس

كان التلاميذ والطلبة فى عصر الفراعنة لا يتعلمون فقط القراءة والكتابة والحساب والهندسة وحساب المثلثات وعلوم الفلك والطب والجراحة، لقد كانوا يتعلمون الأدب والحكمة كذلك! لقد عثرنا على عشرات من البرديات المنسوخة فى أزمنة مختلفة من مصر القديمة تتضمن نصوصًا أدبية بعينها، وكأنها مقررات دراسية استمرت لسنوات وعقود طويلة يتعلمها الطلبة ويتم اختبارهم فيها. عشرات البرديات تتضمن نفس النص الأدبى منسوخًا بيد الطلبة فى عهود مختلفة، تؤكد أن الأدب بمختلف أشكاله وأنواعه كان مقررًا إلزاميًا على التلاميذ فى المدارس والجامعات الملحقة بالمعابد الرئيسية فى المدن الكبرى، وعلى رأسها جامعة أون بعين شمس، والتى كان الطلبة الأجانب من أبناء الحكام الأجانب وأبناء النبلاء يأتون من كل بلد ليتعلموا بها ويتلقوا العلم على يد علماء أون. وكثير من علماء اليونان وفلاسفتها تعلموا فى عين شمس.

وتعد تعاليم الحكيم بتاح حتب، من أهم ما وصل إلينا من تراث أدبى من مصر القديمة. تعد نموذجًا لمفهوم الأخلاق والسلوك الإنسانى المثالى من وجهة نظر فرعونية. كان المجتمع المصرى القديم يقوم على فكرة الـ«ماعت»، أى الحق والعدل والنظام، وهى القيمة التى نظّمت علاقة الإنسان بنفسه، وبأسرته، وبمجتمعه، وبالدولة. لذلك لم تكن الحضارة المصرية قائمة فقط على الأمور المادية من معابد ومقابر وآثار عظيمة خالدة لآلاف السنين! بل قامت فى الأساس على بناء إنسان يعرف معنى كونه إنسانًا عنده مفهومه الخاص تجاه الكون والإله الخالق، متمسكًا بقيم إنسانية لم يسبقه أحد إليها مثل الرفق بالحيوان، واحترام كل مفردات البيئة حوله حتى أن التبول فى مياه جارية كان جريمة وإثمًا عظيمًا! كانت كلمة التواضع فى اللغة المصرية القديمة من أكثر الكلمات شيوعًا واستخدامًا، كما كان ضبط النفس، وحسن الاستماع، واحترام الكبير، وحسن معاملة الزوجة، وتبجيل الأبوين، خاصة الأم، من الصفات الخلقية التى يتوقعها المجتمع المصرى القديم فى كل فرد من أفراده.


أدرك المصرى القديم أن قوة المجتمع لا تتحقق بالقوانين وحدها، بل بالأخلاق التى يلتزم بها الأفراد فى حياتهم اليومية. ولذلك كانت الحكم والتعاليم تُنقل من جيل إلى جيل، لكى يتعلم الشباب كيف يكون الإنسان نافعًا لأسرته ومجتمعه وبلده. وعندما تضعف القيم والمبادئ تمر الحضارات بفترات اضطراب وانحراف، لكنها تستطيع أن تعود إلى سيرتها الأولى إذا استعادت وعيها، وتمسكت بأخلاقها. ومن هنا اخترت بعض ما كتبه الوزير الحكيم بتاح حتب من حكم وأمثال، لما تحمله من معانٍ إنسانية عميقة لاتزال صالحة لكل زمان، بل وتخاطب الإنسان المعاصر كما خاطبت المصرى القديم منذ آلاف السنين. يقول الحكيم بتاح حتب مخاطبًا الملك: «قد حلت الشيخوخة وبدأ خرفها، وامتلأت الأعضاء آلامًا، وظهر الكبر كأنه شىء جديد، وأضحت القوة أمام الهزال، وأصبح الفم صامتًا لا يتحدث، وصُمت الآذان، وأضحى القلب (العقل) كثير النسيان غير ذاكر أمسه، والعظام تتألم من تقدم السن، والأنف يتنفس بصعوبة ووهن، وأصبح القيام والقعود كلاهما مؤلمًا، والطيب أصبح خبيثًا، وكل ذوق قد ولى، فتقدم السن يجعل حال المرء سيئًا فى كل شىء. فمرنى أصنع لى سندًا (عكازًا) لكبر سنى، ودع ابنى يحتل مكانى، فأعلمه أحاديث من يسمعون، وأفكار من سلفوا، وهم الذين حرموا السلف فى الأزمان الخالية، وليتهم يعملون لك بالمثل، حتى يتقى الشجار بين الناس وتخدمك مصر. فأجاب جلالته: «علمه أولًا الحديث... وإنى أرجو أن يكون مثالاً لأولاد العظماء، وليت الطاعة تكون رائدة، ويدرك كل فكرة صائبة ممن يتحدث إليه فليس هناك ولد يحرز الفهم من تلقاء نفسه». ويقول الحكيم بتاح حوتب مخاطبًا ابنه:

- لا تكن متكبرًا بسبب معرفتك، ولا تكونن منتفخ الأوداج، لأنك رجل عالم، فشاور الجاهل والعاقل، لأن نهاية العلم لا يمكن الوصول إليها، وليس هناك عالم مسيطر على فنه تمامًا، وإن الكلام الحسن أكثر ندرة من الحجر الأخضر الكريم، ومع ذلك فإنه يوجد مع الخادمات الآتى يعملن فى إدارة أحجار الطواحين. لا ترقد فى الليل متخوفًا من الغد. وعندما يطلع النهار فما شكل الغد؟

إذ لا يعلم الإنسان ما سيكون عليه الغد [إن حوادث الغد عند الله]. والله دائمًا فى فلاحه [تدبيره المحكم].

والإنسان دائمًا فى خيبته [ظنونه الطائشة] والكلمات التى يقولها الناس شىء، والأشياء التى يفعلها الله شىء آخر [أنت تريد، وأنا أريد، والله يفعل ما يريد].


ولا تقولن: «ليس لى جريمة» (ليس ذلك بخطأ منى).

ولا تجهدن نفسك للبحث عن الشجار. فإن الجريمة من عند الله. وهو الذى يختمه بأصبعه.

وليس هناك فلاح مع الله. ولا خيبة أمامه.

فإذا وجهه الله إلى طريق الفلاح. فإن الإنسان يفسد ذلك فى لحظة.

كن حازمًا فى قلبك وثابتًا فى عقلك. ولا تتحرك مع لسانك. لأن لسان الإنسان كسكان القارب. ورب العالمين هو القائد.

إن ما سبق ليس مجرد كلمات بل إنها تعاليم تشكلت باعتراك الحياة والتمعن فى مفهوم الوجود ودراسة السلوك الإنسانى دراسة فلسفية عميقة. ولذلك تظل تعاليم الفراعنة أعظم ما تركوه للإنسانية من تراث خالد إلى أبد الزمان.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تعاليم بتاح حتب تعاليم بتاح حتب



GMT 08:40 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

ماذا يبقى لإيران بعد استهداف الجوار؟

GMT 07:34 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

إيران... الهدنة لا تُنهي الحروب

GMT 07:17 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

النبطية... تراجيديا المدن العامرة

GMT 05:28 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

عابر للعصور.. شاهد على النظم (3)

GMT 05:23 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

الخطأ يبدأ من تجاهل التفاصيل الصغيرة

GMT 05:20 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

أوروبا والليفة والصابونة

GMT 05:18 2026 الجمعة ,29 أيار / مايو

طه في المدينة

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:28 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

أتلتيكو مدريد يسقط بخماسية أمام فياريال

GMT 08:07 2026 الثلاثاء ,26 أيار / مايو

حكم صيام يوم عرفة للحجاج وغير الحجاج

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 04:33 2018 الثلاثاء ,13 آذار/ مارس

" NT2 " يتحرى روابط على غوغل تخص ماضيه الإجرامي

GMT 14:02 2017 الثلاثاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

مدرب المقاصة يؤكد سعادته بالفوز على الزمالك

GMT 16:39 2021 الأربعاء ,16 حزيران / يونيو

البورصة المصرية تختتم اليوم بتراجع جماعي للمؤشرات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt