توقيت القاهرة المحلي 03:53:25 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أربيل والسليمانية والقوة الناعمة الكردية

  مصر اليوم -

أربيل والسليمانية والقوة الناعمة الكردية

بقلم:مصطفى فحص

لم تعد دروب كردستان وعرة كما وصفها جوناثان راندل في كتابه الشهير عن العراق «أمة في شقاق»، فالطرقات إلى تلك الجبال باتت سالكة وآمنة، وأصبحت ملاذاً للمصطافين والسياح والزوار من العراق ومن خارجه، عرباً وأجانب. فقد نجح الكرد في تحويلها من ملاذ للمقاتلين المدافعين عن حقوقهم وهويتهم، إلى ملاذٍ آمن للنازحين في أوطانهم أو للاجئين من أوطانهم، ومساحة سهلة وممتنعة -كتضاريس جبالهم- للحوار ومعرفة الآخر ومعرفة الآخرين بهم.

فيض المعرفة أو اكتشاف الآخرين في ربيع كردستان الأخير، أي في شهر أبريل (نيسان) الماضي، دفع افتراضياً إلى الاعتقاد، أو مجازاً إلى التعبير، بأن «الأرض بتتكلم كردي»، وهو العنوان الذي اختارته مؤسسة «المدى» لمعرض كتابها السنوي الذي يُقام في أربيل. والغرض من التسمية ليس إثنياً أو تعصباً قوميّاً كرديّاً، فدور النشر العربية كانت كعدد الكردية أو أكثر، ولكن إصرار النخب الكردية على ترجمة الأعمال العربية والعالمية إلى الكردية وإطلاع قرائها عليها، يُساعد على رفع ما تبقَّى من حواجز ورواسب عن ماضٍ أليم ترك أثره في ذاكرة الكرد المعرفية، ليصحح الأحكام المسبقة والمواقف التي اتخذها خصومهم السابقون أو الدائمون. ففي معرض الكتاب كان أغلب المحاضرين عرباً، وأغلب المستمعين كرداً. فقد نجح فخري كريم في المعرض، كما نجح في تحويل صحيفة «المدى» إلى منبر لطلاب الحرية والإصلاح في بلدهم، كما كانت جبال كردستان ملاذاً آمناً للعراقيين المدافعين عن حريتهم.

في السليمانية، كان ملتقاها التاسع، الذي تقيمه الجامعة الأميركية، مكاناً دائماً للتنوع الفكري والسياسي والأكاديمي والشبابي؛ حيث أصبح منصة للحوار الكردي-الكردي، والكردي-العراقي، والكردي-الإقليمي، والعراقي-الإقليمي، وهو إسهام واضح من القائمين عليه في رسم ملامح المستقبل الكردي الخاص والعراقي العام.

في السليمانية، كانت بغداد حاضرة بتفاصيلها السياسية والعقائدية، بقلقها واستقرارها. كانت الصراحة حاضرة في كلام المتحدثين، وفي أسئلة المشاركين، وكان صناع القرار محاصرين بالأسئلة. هذه الأسئلة ساعدت على رسم ملامح سياسية واستراتيجية عن إقليم كردستان والعراق في مرحلة انتقالية مضطربة يعيشها العراق والمنطقة. نجح الملتقى في أن يكون قوة ناعمة كردية-عراقية، عبر فتح فضاء للحوار، وجعل من مكانه، أي السليمانية، مساحة للتفكير المشترك وليس للصراع.

من مهرجان «المدى» ومعرض كتابه، إلى الجامعة الأميركية وملتقى السليمانية، تتمظهر القوة الناعمة الكردية في دورها الإيجابي، الذي يعكس البُعدين الثقافي والسياسي لمن يقف خلفهما. مَن يمكن وصفهم بـ«أصحاب الهوية المركبة»، أو مَن يصفهم من يعرفهم من أصحابهم العرب بـ«كرد بغداد»، أو أقرانهم الكرد بـ«المستعربين الكرد». فقد نجح عرّاب السياسة العراقية رئيس مؤسسة «المدى» فخري كريم، ورئيس الجمهورية السابق برهم صالح، المشرف على ملتقى السليمانية، في نقل تكوينهما المعرفي والفكري والاجتماعي والثقافي والسياسي من الخاص إلى العام؛ حيث باتا نموذجين شبه نادرين في زمن الاصطفافات الإثنية والطائفية والجغرافية.

العلاقة بين إقليم كردستان وبغداد مختلفة ثقافيّاً عن علاقة بقية المكونات الكردية بالمركز في المنطقة؛ حيث لم يُفرض عليهم ما فُرض على أقرانهم في بلدان مجاورة، وبعيداً عن جور نظام «البعث»، فإن الأثر الإيجابي واضح بين الطرفين، على الرغم من تراجع الكرد الناطقين بالعربية في العقدين الأخيرين، وقلة عدد الكرد المقيمين في بغداد، وتأثيرهم على المركز، بينما يرتفع عدد العرب المقيمين في مدن كردستان، ويزداد عدد العراقيين الناطقين بالكردية، خصوصاً بعدما استقبل الإقليم قرابة مليوني نازح في زمن «داعش»، جزء ليس بقليل منهم أصبح مقيماً دائماً في الإقليم، ويتحدث الكردية.

فالعودة إلى إتقان العربية باتت هاجساً كردياً، خصوصاً لدى النخبة الحاكمة، وبرز هذا الاهتمام في خطاب حفيد الزعيم الكردي كاكا مسعود بارزاني، أرين مسرور بارزاني، في حفلة تخرّجه في الجامعة الأميركية بالعربية الفصيحة. هي رسالة إيجابية في ترميم الخلل في العلاقة الثقافية بين الجانبين، وهذا يحتاج إلى إرادة أوسع، رسمية وخاصة، ومنصة ثقافية وإعلامية تتقن كيفية تعزيز المشتركات، وليس فقط نقل الأخبار، كالدور الذي تقوم به منصة «+964» الصحافية، التي خلقت مساحة مشتركة بين بائع العسل في دهوك وصائد الأسماك في الفاو.

من شاعر العراق الكبير الجواهري وقصيدته «كردستان يا موطن الأبطال»، إلى شاعر الكرد العظيم شيركو بيكس وقصيدته «حلبجة تذهب إلى بغداد»، وصولاً إلى فخري كريم وبرهم صالح، ومعهما قلّة قليلة أمثال عدنان المفتي ومحمود عثمان، ومن يلتحق بهم من جيل كردي بغدادي يمثلون قوة ناعمة اتسعت رؤيتها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أربيل والسليمانية والقوة الناعمة الكردية أربيل والسليمانية والقوة الناعمة الكردية



GMT 09:14 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

برلين... زمن التوازنات بين واشنطن وبكين

GMT 06:04 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ألغام فى خطة ترامب الإيرانية

GMT 06:02 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

فاتورة الحرب!

GMT 05:59 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

لبنان.. الحزب والحركة

GMT 05:58 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

مهما ابتعدت.. لن تسير وحدك أبدًا

GMT 05:55 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

إيران تقدر على الجنون

GMT 05:53 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ازدحام الأفكار !

GMT 05:50 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

صورة الفنانين

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt