توقيت القاهرة المحلي 02:21:14 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«أنتِ دولة أم حزب»؟

  مصر اليوم -

«أنتِ دولة أم حزب»

بقلم:مصطفى فحص

في الجنوب اللبناني، بين ركام البيوت وصور الضحايا، كانت وجوه الناجين من المقتلة أكثرَ رعباً وأشدَّ قساوة، واضحة، مكشوفة، لا يمكنها إخفاء علامات الوجع والقهر والقلق. لم يحتفل أحدٌ بالعيد حتى الأطفال، فالجميع هناك، في شمال النهر وجنوبه، في حالة انتظار. وفي محطاتِ الانتظار، قبل الهزيمة أو بعدها، يبرز التوترُ بكل تجلياته، ويعبّر بأشكال مختلفة عن أسبابه وظروفه، وكل شيء في الجنوب على قلق، كأنَّ الريح تحته.

في ثاني أيام العيد، عادت ابنتي ناديا إلى البيت بعد زيارات لأقاربها في النبطية، حدّثتني عمّا دار بينها وبين طفل من أقاربها، لا يتجاوز الحاديةَ عشرةَ من عمره، سألها الطفل: «أنتِ مع الدولة أم مع الحزب؟». ما روته لي ابنتي في تفاصيله ليس للنشر، لكنَّه يدقُّ ناقوس الخطر، ويستدعي تدخل أطباء وعلماء اجتماع وثقافة وتربية، لتفسير كيف يُمكن لطفل أن يفهم الفرق بين الدولة والميليشيات، ويفضّل الأخيرة، ويحاول إقناع طفلة مثله، بأن «نواف سلام (باد غاي)، بينما السيد بطلٌ مات من أجلنا».

لست بصدد إفشاء حديث الطفلين من باب «خذوا أسرارهم من صغارهم»، لكن ابنتي دافعت عن رئيس الحكومة نواف سلام بوصفه شخصاً صالحاً، في حين حسم الطفل الآخر أن نصر الله هو القائد، لكن في زمن الورم الطائفي، لا يمكن أن ننسب أي كلام أو سلوك إلى الأطفال، فهم راسخون في براءتهم، لكنَّهم قد يحملون العدوى من محيطهم. ومع الاعتداء على العلامة الشيخ ياسر عودة بسبب أفكاره التنويرية وجرأته الاجتماعية، من قبل أشخاص معروفين، يظهر مستوى الاضطراب الذي وصلت إليه الجماعة العقائدية.

قد لا يكون الاعتداء قراراً تنظيمياً، وقد يكون «حزب الله» صادقاً في اعتذاره من الشيخ عودة، لكن الحزب يتحمّل وحده المسؤولية العقائدية والاجتماعية والأخلاقية عن الاعتداء، كما عن كلام الطفل.

فلولا سنوات من الشحن والتحريض ضد كل ما هو مختلف، أدَّى إلى جعله في الثقافة الشعبية والسياسية والعقائدية عدواً وخطراً على العقيدة، لما كان هذا التجرّؤ على رجل دين في وضح النهار، وأمام أعين المارة جميعاً.

وفي السياق ذاته، فإن التعدّي على قوات حفظ السلام العاملة في الجنوب (اليونيفيل) ليس فعل الأهالي وحدهم، كما يدَّعي الحزب دائماً، بل على الأغلب هو فعل مدروس. والأسوأ، أنَّه قد يكون نتيجة صراع بين مراكز القوة داخل الحزب، ومرتبطاً بتصعيد إقليمي.

والسؤال المهم، كيف نجح الحزب، من الناحية الاجتماعية، في دفع «الأهالي» للقيام بهذا الفعل وسواه؟ وكيف تستجيب البيئة الحاضنة لعملية تشويه صورة العلاقة بين الجنوب اللبناني والعالم، وتنزلق إلى فخ تقديمها كأنَّها جماعة خارجة عن القانون والأعراف ولا تجيد حسن الضيافة؟ وكيف يتم تحريضها على التعامل بكل هذه العدائية مع كل مَن ينتقد الحزب أو يعارضه؟

بين تفسير الأسباب المباشرة وغير المباشرة للأحداث الثلاثة، تبرز ضرورة تفكيك الخطاب الاجتماعي والثقافي لـ«حزب الله»، بهدف فهم البيئة الشيعية عامة، وليس فقط البيئتين الحاضنة أو العقائدية، ما قبل مقتلة «حرب الإسناد» وما بعدها، أي بين مرحلتين مختلفتين كانت فيهما مظاهر الغلبة والقوة وخطاب الاستعلاء تتراكم على مدى أكثر من ثلاثة عقود. وكيف يمكن لهذا الحزب أن يستوعب أنه بنى قوته على أوهام، وأن الهزيمة الساحقة وقعت في أسبوع، فأعادت الخطاب إلى المظلومية التاريخية والخوف الوجودي، وربطه بالسلاح، واعتباره جزءاً من العقيدة، ومن يعترض عليه يخالف العقيدة، سواء أكان من أبناء الطائفة، أم من الدولة، أم من المجتمع الدولي.

خلال صعود الجماعات العقائدية وسقوطها، وما بينهما من محاولات الحفاظ على هيمنتها داخل المكوّن الطائفي، هناك إصرار على التمسك بخطاب المقتلة نفسه من دون أدنى مراجعة، وانقياد جامح نحو التوتير والوصول إلى مستوى لا يمكنها فيه السيطرة على ردات فعلها أو انفعالاتها.

ربما نجح «حزب الله»، في مرحلة ما، في تقويض مفهوم الدولة الوطنية داخل البيئة الشيعية، وعزَّز في الوقت نفسه مفهوم الهوية الخاصة الضيقة، وبرَّر تمسكه واحتكاره للسلطة، تحت ذريعة «تمكين الطائفة» و«حماية العقيدة» وربطهما بالسلاح، ومن ثم جعل من هذا السلاح الأداة الضرورية للحفاظ على «دويلة موازية» قوية، بنى أسسها على حطام الدولة الوطنية الضعيفة. إنَّها سرديته الرسمية التي يرويها للصغار والكبار، ويريد إعادة فرضها بالقوة، ويعتدي على مَن يُحاول تفكيكها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«أنتِ دولة أم حزب» «أنتِ دولة أم حزب»



GMT 09:14 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

برلين... زمن التوازنات بين واشنطن وبكين

GMT 06:04 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ألغام فى خطة ترامب الإيرانية

GMT 06:02 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

فاتورة الحرب!

GMT 05:59 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

لبنان.. الحزب والحركة

GMT 05:58 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

مهما ابتعدت.. لن تسير وحدك أبدًا

GMT 05:55 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

إيران تقدر على الجنون

GMT 05:53 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

ازدحام الأفكار !

GMT 05:50 2026 السبت ,28 آذار/ مارس

صورة الفنانين

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt